"(18) وسوف نلتقي بمفردات الوحدة، والعزلة والنفي وهي تتردد كنغمة طوال صفحات الرواية.
وما دمنا بصدد الحديث عن أدب نجيب محفوظ الروائي، فجدير بالذكر أن أهم الخصائص التعبيرية في المرحلة الفنية التي تحدثنا عنها، تضاؤل السرد واعتماد الحوار والحوار الباطني كوسيلتين أساسيتين في التعبير. وصحيح أن الثلاثية حافلة هي أيضاً بالحوار الباطني، إلا أن الأمر هنا اختلف كلياً، إذ أصبح الحوار والحوار الباطني هما أساس الأسلوب الجديد.
أما السرد والرؤية القصصية فقد تغيرا لينسجما مع الموضوعات والمضامين الجديدة ومع الشكل الروائي الجديد الذي ينصب الاهتمام فيه على الفرد، لا المجتمع، كما هو الأمر في مرحلة الثلاثية. لقد اختفى الراوي "كلي العلم" الذي يمسك بالأحداث من الخلف، ويتنبأ بأفكار الشخصية، بل ويتدخل أحياناً مفسراً وشارحاً ومعللاً للأحداث وكان من الطبيعي أن تختفي الرؤية (من الخلف) في الرواية الدرامية الجديدة، ذلك أن من شأن هذه الرواية أن تسود فيها وجهة نظر القارئ "فليس ثمة النفاذ إلى ما وراء الشخوص والكشف عن أفكارهم"(19) كما يقول بيرسي لوبوك.
وإذا حاولنا تحديد نوع الراوي والرؤية القصصية في هذه المرحلة وجدنا أن الرؤية أصبحت رؤية "مجاورة" على حين أصبح الراوي ما يصطلح عليه فريد مان "بالشخص الثالث الذاتي" الذي يحبس نفسه على منظور واحد ويرى ويحس بعين وحواس شخصية واحدة ويضبط عمليات التحول من الخارج إلى الداخل في الشخصية المركزية.
نقرا في اللص والكلاب على سبيل المثال "ودار على الميدان في سرعة طبيعية والضجة تلاحق حواسه، ولكنها استقرت في أعصابه حتى بعد انقطاعها عن حواسه، ولفه ذهول شامل فساق السيارة بلا وعي/ القاتل هناك، رؤوف علوان، الخائن الرفيع الممتاز الخ.."(20).