تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الطبيعي في الرواية التي يكون مركزها الفرد، أن يشحب المكان والزمان الفيزياوي، ويختفي الوصف - الذي من شأنه أن يوقف حركة الزمن في السرد - إلى حد كبير، على حين يبرز الزمن الداخلي أو السيكولوجي للشخصية، يقول الناقد غالي شكري عن اللص والكلاب: تبدأ اللص والكلاب "في لحظة نموذجية هي لحظة خروج سعيد مهران من السجن، وهي لحظة منحوتة من الزمان الداخلي للشخصية"(15) ذلك أن قيم الرواية الدرامية، كما يقول أدوين موير، هي قيم فردية، أما قيم الرواية الاجتماعية، أو رواية المشهد الشامل فهي اجتماعية، وفي الأولى نرى أفراداً يتحركون من بداية إلى نهاية، أما في الثانية فنرى شخصيات تعيش في مجتمع وكلا هذين النموذجين من الرواية لا يتعارضان ولا يتمم أحدهما الآخر، بل هما طريقان متميزان في رؤية الحياة: الفرد في الزمان والمجتمع في المكان.(16) ويكفي أن نقرأ المشهد الأول من "بين القصرين" ثم نقرأ نفس المشهد في "اللص والكلاب" لنقف على الفروق الفنية بين الرواية الاجتماعية والرواية الدرامية. ففي الأولى لا يصف الكاتب لحظة استيقاظ (أمينة) فحسب، بل يعمد إلى لقطة بانورامية للمكان، فالغرفة والجدران والأعمدة والفرش والسقف، والملامح الفيزيائية للشخصية، ثم الشرفة، وشارعي النحاسين وبين القصرين اللذين تقع عند لقائهما الدار، والمقاهي والحوانيت وعربات اليد ومصابيحها ومآذن قلاوون وبرقوق وهي تلوح كأطياف من المردة ساهرة تحت ضوء النجوم.(17) وكل ذلك يجد لنفسه مكاناً في الوصف الدقيق لمفردات المكان ومكوناته، أما في اللص والكلاب فالعبارات الأولى في المشهد تحدد الحالة السيكولوجية للبطل وترسم أهم السمات الفنية في أسلوب الرواية: "مرة أخرى يتنفس نسمة الحرية، ولكن في الجو غبار خانق وحر لا يطاق. وفي انتظاره وجد بذلته الزرقاء وحذاءه المطاط وسواهما لم يجد في انتظاره أحداً..

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٦١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٦١