وفضلاً عن تباين الوجوه في الرواية العربية الجديدة، فإن دراسة هذه الأعمال الروائية تظهر أن الرواية الجديدة. هي في الغالب رواية درامية تقترب في الكثير من خصائصها الفنية من التراجيديا الشعرية، والفرق الأساسي بين الرواية الدرامية الجديدة والرواية الاجتماعية القديمة -كثلاثية محفوظ مثلاً- إن الفعل، لا الحادثة هو أساس هذه الرواية، وفي الفعل، كما يقول هيغل "كل شيء يقود إلى الملامح الداخلية للشخصية" أما في حالة الحادثة فيضيف هيغل: "فحتى الجانب الخارجي يكتسب شرعيته التي لا يمكن منازعته عليها.. إن مهمة الأدب القصصي تتركز في أن تؤدي.. إلى أن تمنح الظروف الخارجية، وظواهر الطبيعة، وغير ذلك من المصادفات، نفس تلك الحقوق التي يطالب بها المجال الداخلي".(12)
ولعل خير ما توصف به الرواية الدرامية الجديدة، قول كوزينوف في محاولته تحديد خصائص الأدب الدرامي "وفي الأدب الدرامي يجري التشبث بالسعي الأساسي والمركزي الخاص بالشخصية البشرية. وهذا ما يجعله قريباً فعلاً من التصوير الكرافيكي الذي يقدم المحيط العام والمظهر الأساسي للهيئة البشرية والذي يكتفي فقط بالإشارة إلى الخلفية والظرف المحيط".(13) إن الحياة الداخلية، والمأساة الشخصية لكل من عيسى الدباغ وسعيد مهران، وصابر الرحيمي، وعمر الحمزاوي، هي الأساس ومركز الصورة في روايات نجيب محفوظ في المرحلة التي أشرنا إليها -أما الظرف الاجتماعي الصانع للحياة الباطنة وللمآسي الشخصية فهو خلفية واطار الصورة فحسب، ولهذا السبب تصبح لغة السرد وكلام الشخوص في هذه الروايات لغة وكلاماً حافلين بالصور الشعرية، بل إن أعمال نجيب محفوظ في هذه المرحلة، تكاد تصبح على حد تعبير الناقد محمود أمين العالم "قصائد درامية، بل يكاد يكون بعض فصول روايات الشحاذ مثلاً، قصيدة من قصائد الشعر المعاصر، بناء ومعنى وتجربة وإيقاعاً داخلياً وإن خلت من الوزن والبحر والتفعيلة والقافية".(14)