ونحن إذ نحاول هنا دراسة بعض مظاهر التحول والتطور في أساليب الرواية العربية -وبخاصة أشكال السرد ووظائفه- فإننا ننطلق من النظرة الاجتماعية للأدب التي ترى أن أصول أية بنية أدبية، ومؤلفها الأول في أبرز مظاهرها الجمالية، هو "المركب التاريخي والاجتماعي والنفسي والذهني، الذي يمثل الكاتب أحد شهوده، فالكاتب لا يؤسس شكلاً بل يكشفه".(10).
لقد انحسرت الرواية التاريخية، أو رواية المشهد الشامل، ذات الوصف الملحمي للحياة، والتي يطلق عليها أدوين موير "رواية الشخصية" لتفسح الطريق أمام قالب روائي جديد في الأدب العربي، هو قالب القصة القصيرة الطويلة، مواكبة بذلك الرواية العالمية، إذ من الواضح أن كتاب الرواية اليوم يميلون إلى كتابة روايات قصيرة "لكنهم ما إن يكتبوها حتى يجدوا مهمتهم قد قصرت عن الاكتمال، ومن ثم يكتبونها من زاوية أو رؤية مختلفتين، وأحياناً يكتبونها مرة بعد مرة، والنتيجة هي الرواية الحديثة المتباينة الوجوه".(11) إلا أن هذا التطور في الرواية العربية لم ينشأ بفعل هذه المؤثرات العالمية فحسب، بل جاء تلبية لحاجة أفرزها التطور في المجتمعات العربية التي أنجبت فن الرواية.
وما يقال عن الرواية الحديثة متباينة الوجوه، حقيقة تنطبق إلى حد كبير على الرواية العربية، إذ يمكن -على سبيل المثال- اعتبار روايات نجيب محفوظ القصيرة في مرحلته الفلسفية التي بدأت بـ "أولاد حارتنا" كاللص والكلاب والسمان والخريف، والطريق والشحاذ، يمكن اعتبارها رواية واحدة متباينة الوجوه، ويمكن اعتبار أبطالها بطلاً واحداً، نوقشت مشكلاته من زوايا عديدة وانفردت كل رواية بمناقشة المشكلة من زاوية معينة.