ولا تتميز أية شخصية من هذه الشخصيات بحق أن تجرح أو تعدل أو أي منظور من منظورات الشخصيات الأخرى، بل تشترك الشخصيات في جميعها في هذا الحق وفي حوار حر مفتوح وتتفاضل المنظورات المختلفة من دون انحياز من جانب القاص أو الراوي لأيّ من هذه الشخصيات.
وإذا كان تعدد الأصوات والرؤى هو السمة الفنية الأكثر حداثة في الرواية العربية، وإذا كانت رواية الرجع البعيد ليست الرواية الوحيدة أو الأولى على طريق هذا النهج الفكري والفني- فإن هذه الرواية تميزت بتوزيع دور البطولة فيها على أكثر من شخصية محورية، متجاوزة بذلك بعض أشكال القص متعدد الأصوات الذي يغتال هذه التعددية ويقضي عليها بدوافع النرجسية والتضخيم من شخصية البطل أو الشخصية الرئيسة، خالقاً بذلك شكلاً خاصاً من التعددية، هو في حقيقته صيغة من صيغ القص المونولوجي أو المنفرد الصوت ليس إلا.
لقد تضافر القص المتعدد والمنظور الذاتي في السرد وأشكال الحوار الصامت، والأسلوب غير المباشر الحر في خلق هذه التعددية في الرواية، وفضلاً عن ذلك فإن كثيراً من العناصر والتقنيات الفنية الأخرى قد أسهمت في خلق النزعة الحوارية الواضحة في الرواية.