ومن الواضح أن العبارة الأولى في النص هي عبارة الراوي، تمليها عبارة "خابره؟ لم يخابره" وهي عبارة الشخصية منسوجة، في كلام الراوي، ثم تليها حوار صامت مباشر (غسل اليدين.. الخ) لا يؤدي الراوي أي وظيفة في قيادة القارئ إلى داخل الشخصية.
إن هذا المنهج في القص ينسجم وأحدث التطورات الفنية في الرواية، ذلك أن محاولة إلغاء الراوي هي من أبرز السمات التي ميزت هذه التطورات "حتى لقد قيل بأن التغيير الأكثر أهمية في عصرنا - والذي له مغزىً بالنسبة للرواية هو اختفاء المؤلف" كما يشير الناقد سي وين بوث(50).
ولا يؤدي الحد من امتيازات الراوي -وهو كبير في الرجع البعيد- إلى ظهور ورؤى وأصوات الشخصيات حسب، بل. يؤدي أيضاً إلى ظهور القارئ الذي لا يعود متلقياً لوجهة نظر الراوي وصوته الخاصين، بل تصبح وجهة نظره الخاصة هي الماثلة في تعامله مع النص، ويتحول من مجرد متلقٍ خامل إلى مبدع للنص ولقد دفعت التحولات الأخيرة في القص الكثير من النقاد إلى القول بأن عصرنا أصبح عصر القارئ. إذ إن "إمحاء المؤلف التدريجي على هذا النحو يظهر القارئ على أنه خالق الأثر. لقد تحول القارئ إلى إنسان فعال له الدور الأول في عملية الإبداع الأدبي كما تحول عصرنا إلى عصر القارئ" كما يقول الناقد الإسباني جوزيه ماريا كاستيلا(51).
إن بناء المنظور في مستواه التعبيري، كما هو في مستواه العقائدي يقوم على التعددية، فليس ثمة بطل أو شخصية رئيسة مهيمنة تجري القص من وجهة نظرها، وليس ثمة فكرة من أفكار الشخصيات تسود أو تهيمن وتقمع الأفكار الأخرى لبقية الشخصيات، بل هناك شخصيات عدة تقف على خط البطولة الرئيس ثم يليها عدة شخصيات أخرى، تقف على خط موازٍ لها هو خط البطولة الثانوية.