ومن المهم أن نسارع فندفع عن التكرلي تهمة السلبية والعجز الملصقة بشخوصه، ولا سيما وأنها قد ترددت في هذه الدراسة أيضاً، ذلك أن شخصيات التكرلي وإن بدت عاجزه وسلبية ومشوهة أحياناً، فهي لا تهزم بسهولة، بل تصمد وتكافح ببسالة ضد شرطها الاجتماعي والكوني كفاحاً يذكرنا بأبطال التراجيديا الإغريقية- حتى إذا تحطمت تحت وطأة قوى اجتماعية وكونية عاتية لا يستطيع منها فكاكاً، اكتسب شرف الكفاح والنضال دون هوادة ضد هذه القوى. والكفاح الذي يخوضه "مدحة" من أجل الخروج من حصاره والعودة إلى "منيرة" يعد تجسيداً لهذا الاخفاق البطولي في أدب التكرلي، ويستوي هذا الكفاح والتخطي والتجاوز الذي يمارسه "مدحة" مع ذلك الكفاح الذي يخوضه "كريم" للانتصار على أفكار الموت لديه، لا سيما بعد موت "مدحة" ولا يتجلى هذا الانتصار بقدر ما يتجلى في موقفه من "حسين" الذي يجد في الموت من حوله دافعاً للتفاؤل!
إن القول بعجز الشخصية وسلبيتها لدى التكرلي، وتصوير ذلك على أنه مثلبة من مثالب القص لديه، يتجاهل قانوناً رئيساً من قوانين النوع الروائي. ذلك القانون الذي صاغه "هيغل" عندما أشار إلى أن البطل في التعليم الرأسمالي يبدأ ماجناً عربيداً ثم لا يلبث أن ينتهي إلى أحد أمرين فأما الامتثال للآلية الاجتماعية، وأما الوحدة والعزلة(41). ومن هنا يمكن القول بأن وصف البنية القصصية لدى التكرلي بأنها بنية اخفاق (42) هو وصف صائب تماماً، وإن كانت هذه الحقيقة ليست خاصة بالتكرلي وحده، وإنما هي خاصية الرواية والنوع كله في ظل الانتاج الرأسمالي. ويترتب على ذلك أن يصبح البحث عن سمات البنية الاخفاق هذه وعما يميزها عن غيرها ومن البنى الروائية المخفقة ضرورياً، إذ هنا، وفي هذه وحده تكمن أصالة القاص وتفرده، وهنا يكمن عالمه الخاص أيضاً.