والشخصيات لا تفكر بمعزل عن سلوكها وأفعالها اليومية وإنما تعيش هذه الأفكار وتتخطاها حين تتخطاها وتتجاوزها تخطي وتجاوز معايشة أيضاً، و ما يحدث لكل من مدحة وكريم، كما أن شخصيات الرواية لا تقف في تفكيرها عند الحدود السطحية للأحداث ومجراها، وإنما تنأى عمقاً لتصل إلى الدوافع البئرية العميقة لهذه الأحداث، كما تنأى في الزمان والمكان لتصل إلى ما هو إنساني عام في كل زمان ومكان، "فمدحة" على سبيل المثال. لا يقف في تأمله لظاهرة الحروب والاقتتال بين الجماعات البشرية عند الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المعروفة، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة معرفة كنه القوة التي تقود شعوباً وأمماً وجماعات وتدفعها لتقطع مسافات وأراضي شاسعة ولكي تحترب مع أمم وشعوب وجماعات أخرى، كما أنه لا يقف عند الحدود الواقعية للأحداث التي تصنع موته، بل تتجاوزها لمعرفة كنه القوة التي تصنع موته على الصورة التي تكهن بها، هذا الموت الذي يتعانق فيه الاجتماعي بالكوني على نحو فريد، وهذا ما يرتفع بأدب التكرلي إلى مستوى إنساني رفيع، وبالإنسان فيه إلى مستوى الإنسان في كل زمان ومكان.
إن التكرلي الذي يهتم بالفرد البشري ومصيره أكثر من اهتمامه بالفكرة ذاتها، لا يتناول الظاهرة المعينة في إطارها وعلاقاتها الجدلية المتشابكة حسب، بل يبحث فيما وراء ذلك عن "اللغز" الإنساني المحيّر؛ هذا اللغز الذي يدفع عبد الرضا" بطل أقصوصته الجميلة "موعد النار" على سبل المثال لكي يتحمل ويعاني عذابات الوجود من أجل زيارة ضريح، والأمر نفسه يتكرر مع "مدحة" وإن كان كفاحه ومعاناته من أجل الانتصار على أفكار الموت والظلام ومن أجل الحياة لا يرتفعان إلى مستوى كفاح ومعاناه بطل موعد النار.
إن هذا "اللغز" المخبوء فيما وراء الواقع في أدب التكرلي يجعلنا نطلق على واقعيته مصطلح "الواقعية الميتافيزيقية".