ولا يعني وصفنا للفكرة بالغرابة، إن التجسيد السلوكي لها غير موجود، وإنما عنينا عدم وجودها مدركاً عقلياً واضحاً حسب. أما الفكرة- السلوك، فهي ولا شك ليست بالغريبة في مرحلة بدأ المجتمع العراقي ينتقل فيها من علاقات الانتاج شبه الاقطاعية إلى علاقات إنتاج رأسمالية، وهي العلاقات التي أنتجت الفلسفة الذرائعية البراغماتية في الغرب كما أنها أنتجت هذه الفلسفة التي نادى بها تشرنشيفسكي في روسيا القيصرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الذي شهد تطوراً واضحاً في هذه العلاقات- هذا فضلاً عن الملامح وأوجه الشبه العديدة بين "مدحة" وبين بعض أبطال دستويفسكي، ولا سيما "راسكو لنيكوف" بطل الجريمة والعقاب، فكلاهما يؤمن بفكرة سلبية ضارة بالمجتمع، وكلاهما ينتهي في تطبيقها ووضعها موضع التنفيذ إلى الإخفاق، وإلى انتصار البطل في كلتا الروايتين إلى الفضيلة بعد هذا الاخفاق، وفي حالة "مدحة" تثبت الأحداث أن موته الخاص الذي ينجم عن حالة عامة لا دخل له فيها، عقم أفكاره عن الأنانية المنظمة، وعن استقلال الفرد عن المجتمع والتاريخ، وقبل أن تثبت الأحداث خطل أفكاره هذه، يتغلب هو على أفكاره بصدد "منيرة" ولا عذريتها، ويتخطى القيم التقليدية الموروثة، وتنتصر لديه الحياة على أفكار الموت والظلام، ولكن بعد فوات الأوان فقد كان الموت يتربص به، في أن يخرج من موضعه المحاصر فيه ليعود إلى أنثاه منيرة حتى يسقط مضرجاً بدمه وسط الشارع الذي يفصل بين عالمين، وهو يحاول العبور من عالم السلبية والعجز والاستسلام للمألوف إلى عالم المبادرة الفردية والعقل والعدل.
وبالرغم من أن رواية "الرجع البعيد" هي -كما أسلفنا- رواية أفكار، وأن الشخصية فيها تعبير عن فكرة، فإن التعبير عن هذه الأفكار لا يتم لدى التكرلي، بصورة تلقينية مباشرة كما هو الأمر في الرؤيات أو النصوص الرديئة والمتوسطة، وإنما تجد الفكرة تجسيدها في الفعل المعيش..