تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الوقت الذي نجد فيه مسوغات عديدة لهذا التفسير، نجد أيضاً ومن جانب آخر، أن مصائر الشخصيات والرؤية المأساوية التي ينطوي عليها النص الروائي، تسوغان تفسيراً ثانياً يكمن في أن الذي يهيمن على هذا النص هو "الموت" إذ يموت "فؤاد" الذي يعيد إلى الأذهان بطل أقصوصة العيون الخضر - ثم يموت "مدحة" أبرز شخصيات الرواية وأشدها تفاعلاً مع الحياة، وتنتهي أحداث الرواية و "حسين" على فراش الموت، بينما يتركنا القاص مع "الرجل العجوز" الذي اختبأ "مدحة" في بيته، وقد حاصرته ذكريات موت رفاقه في الحرب الأولى فراح يهذي بها بلغته التركية، التي يوردها القاص بنفس اللغة، وكأنها النذير بموته الوشيك الذي سبقه إليه "مدحة".

ونخلص من كل ذلك إلى أن العنوان ينطوي على "تناص" واضح طرفه الغائب هو الموروث الديني، فقد وردت عبارة "الرجع البعيد" في القرآن الكريم إذ وردت في الآية الثانية من سورة (ق) في قوله تعالى "إذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد".

وإذا ما تركنا العنوان ووظيفته الاستراتيجية في بناء المنظور الأيديولوجي في الرواية، وحاولنا استجلاء العناصر الأخرى التي تسهم في صياغة هذا المنظور، وجدنا أن الخصائص التي تتسم بها هي الخصائص نفسها التي تتسم بها قصص الكاتب القصيرة على مستوى الوحدات الأساسية في البنية القصصية. وفي مجال الموضوع نجد أن فكرة العبث واللاجدوى التي تتردد أصداؤها في العديد من قصص الكاتب القصيرة، هي الفكرة المركزية في الرواية، كما أن عجز الشخصيات وسلبيتها في مواجهة الواقع التي نجد في تلك القصص القصيرة نجدها ماثلة هنا وبصورة أوضح، "فكريم" يسقط صريعاً لفكرة العبث واللاجدوى بعد موت صديقه فؤاد، و "حسين" يتخلى عن أسرته ويسلك سلوكاً رخيصاً بدافع فكرة العبث بالرغم من أن تناوله ومأخذه لهذه الفكرة يعد سطحياً إذا ما قورن بكريم -ومدحة يعيش بهدي من فكرته الذرائعية الأنانية "الأنانية المنظمة".

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٣٨