وتعد رواية "الرجع البعيد" ذات أهمية خاصة واستثنائية في مجال الدراسة السوسيولوجية على الرغم من الوشائح الكثيرة التي تربط هذه الرواية بأعمال الكاتب- القصصية الأخرى، هذا في الوقت الذي يعد فيه هذا العمل الروائي عملاً شخصياً بصورة أكبر من أعماله القصصية الأخرى، إذ كلما كان العمل كبيراً كلما كان شخصياً، لأن الفردية الاستثنائية والقوية، هي وحدها القادرة على أن تفكر وتعيش رؤية للكون حتى منتهى عواقبها" كما يقول لوسيان جلدمان، الذي يضيف إلى ذلك قوله: "كلما كان العمل تعبيراً صادراً عن مفكر أو عبقري كلما أمكن فهمه في ذاته بدون أن يلجأ المؤرخ إلى سيرة الكاتب أو إلى نواياه، ذلك أن الشخصية الأكثر قوة هي التي تتطابق بكيفية أفضل مع حياة الفكر، أي مع القوى الجوهرية للوعي الاجتماعي في مظاهره الفعالة والمبدعة)(37). ولعل الاستنثائية الفردية التي يتحدث عنها جلدمان، لا تظهر في أعمال أي من القصاصين والروائيين العراقيين، مثلما تظهر في أعمال التكرلي، ولا سيما روايته التي نحن بصدد دراستها بسبب ما يتميز به بناء النموذج لدى القاص من سمات ملامح خاصة يفتقر إليها القصاصون الأخرون.
المنظور الأيديولوجي
لكي نقف على رؤيا العالم لدى الكاتب. وعلى المنظور الأيديولوجي لديه، لا بد من أن نعرض لدراسة العديد من الإشارات الواردة في النص الروائي! بدءاً بالعنوان الذي يؤدي دوراً استراتيجياً في بناء المنظور الأيديولوجي لدى الكاتب، وانتهاء بأصغر العناصر الرمزية الدالة، مروراً بما تفصح عنه الشخصيات القصصية من خلال أقوالها وسلوكها من دلالات على هذا المستوى.