تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أننا يجب ألا نغفل عن حقيقة مهمة، هي أن المكان هو نظام وجود الأشياء. ولقد تحدثنا حتى الآن عن مكان مجرد من الأشياء -وهو ما اقترح تسميته بـ "المدى" تمييزاً له عن مصطلح بـ "المكان"- وعلى الرغم من أن رواية الرجع البعيد تمتلك الرواية الواقعية والطبيعية كما أسلفنا، فإن وصف الأشياء الذي عرفت به هذه الرواية يكاد يكون غائباً، فهي في هذا المجال بالذات، أقرب إلى الرواية الانطباعية منها إلى الواقعية أو الطبيعية، إن الأشياء لا تجد فيها اهتماماً في التصوير، وإذا ما تم ذلك أحياناً، فإن هذا الوصف لا يرد مستقلاً عن السرد، كما أنه يتسم بالاختزال الشديد كهذا الوصف لمحتويات غرفة مدحة: "نظر إلى مكتبته الصغيرة والكتب المصفوفة بإهمال والأثاث القليل والسجادة على أرض الغرفة والجدران البيضاء غير المصبوغة وستائر الشباك الحائلة غير المكواة شعر بوخزة في قلبه ص 110" ومن الواضح على هذا الوصف لمكونات المكان أنه لا يتم عن طريق عين الراوي، بل عن طريق عين الشخصية نفسها، كما أنه يرد ملتحماً بالسرد، ولا يهتم بذكر كل مظاهر وأحوال الشيء الموصوف، بل يقتصر على ماتراه الشخصية فيه من هذه المظاهر، وهذا اللون من الوصف، أي الوصف الذاتي والملتحم نشأ بنشوء الرواية الانطباعية والرواية والوعي والحوار الصامت وهذه الرواية التي انتقلت فيها العين التي ترى، والوعي الذي يصور، من الأشياء المحيطة بالإنسان من الخارج إلى داخل الإنسان نفسه.

رؤيا العالم وبناء المنظور

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٣٤