تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والواقع، أن هذا المعنى الشعري الإيحائي للمكان، لا يقتصر على السطح حسب، بل يشمل أجزاء الدار الأخرى أو تشكل بفعل الظلام والنور لوحات وصوراً تتفتق عنها مخيلة مدحة وترشح بثقافته الفنية والأدبية، كما هو الأمر في الصورة التي تخلقها الأعمدة الخشبية في الحوش أو فناء البيت: "كانت ظلال الأعمدة الخشبية تترامى على الحيطان العالية، وأغصان الزيتونة منكمشة على نفسها، سحرته تلك الأضواء المنشطرة والظلال الطويلة التي أحاطته وسط الحوش، استدار حول نفسه ثم استدار مرة أخرى مثل الطواحين العمالقة، عمالقة دون كيشوت، عمالقة باب الشيخ" ومدحة لا يرى في الأضواء والظلال المنشطرة عمالقة رائعة سرفانتس، بل "أعمدة معبد روماني متهدم ص 135" أيضاً.

ومما تجدر الإشارة إليه، أن رواية الرجع البعيد، هي من الروايات العراقية القلائل التي تناولت "السطح"، فهي ثاني رواية بعد رواية "ضجة في الزقاق" لغانم الدباغ- تطرق هذا الموضوع، كما تجدر الإشارة أيضاً إلى أن المكان في الرجع البعيد، لا ينحصر أو يقتصر على البيت الشرقي الذي أشرنا إليه، بل يمتد هذا المكان إلى شوارع وحانات ومناطق أخرى معروفة في مدينة بغداد، ويرتبط هذا الأمر بطبيعة هذه الرواية التي تجمع بين أشكال وأنماط عديد من الرواية، وتجتمع فيها أكثر من مدرسة أو مذهب أدبي معين(33) فهي الرواية درامية، وهي رواية أفكار، وهي رواية شخصيات وهي رواية شمولية واقعية في الوقت نفسه، ومن هنا يأتي هذا الجمع بين المكان الضيق، الذي نجده في الرواية الدرامية والمكان الواسع أو المفتوح الذي نجده في رواية الشخصيات، أو الرواية الواقعية عامة.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٣٣