تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالسطح - وهو النظير الشرقي للعلية- لا يعد مكاناً للمشاريع العقلية، كما هو الأمر لدى باشلار، ولا معادلاً للعقل الظاهر، كما هو الأمر عند يونغ، بل يصبح مكاناً للأحلام وتنشيط المخيلة الشعرية، لدى ساكني الدار ويشكل السطح ثنائية بذاتها، فهو مكان للعزلة والانفراد بالنفس من جهة، وهو مكان -ولا سيما في الدار الشرقية- يسمح باندماج الفرد بالجماعة البشرية من جهة ثانية، ومن هنا، ومن هذه الثنائية تنبع أهمية "السطح" في رواية الرجع البعيد، فكريم على سبيل المثال، يشعر بالسرور بفكرة نوم العائلة على السطح وفي ذلك يقول "سررت بفكرة الصعود إلى السطح كأنني سأشارك فيها، إلا أن دواراً خفيفاً تملكني فارجعني إلى السرير، وجعلني أعيد التفكير في المسألة ص 25" ومن الواضح أن وراء السرور، دوافع نابعة من أن ذلك سيتيح لكريم الاندماج بأفراد العائلة ولا سيما بـ "منيرة"، لكن مرضه يحول بينهم وبين استمرار هذا الشعور الفرح، أما المعنى الثاني الذي يجسده السطح، أي معنى الخلوة والتأمل والأحلام فنجده في قول الراوي عن مدحة "كان الهواء صافياً وليس في السطح أحد غيره.. أراحه أن يكون هنا في هذه اللحظة متروكاً لنفسه يتأمل.. والحيطان الترابية، خبأت بؤسها تحت الظلام ص 133" وليس عجيباً أن يكون أعلى مكان في البيت مكاناً للأحلام الرفيعة لدى أبرز شخصيات الرواية، كشخصية مدحة، الذي يصبح السطح لديه مكاناً شعرياً إيحائياً بحيث تبدو الأسرة وأغطيتها البيض وكأنها خيام في صحراء.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٣٢