تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تدور أحداث رواية الرجع البعيد، في دار شرقية تقليدية، مكونة من طابقين، وتقع في محلة باب الشيخ في مدينة بغداد، ومن هنا تنبع المسرحة في الرواية، فهذا المكان الضيق هو أحد المستلزمات البنيوية للرواية الممسرحية أو الدرامية، وبكلمة أدق، هو أحد مستلزمات رواية الأفكار الممسرحة، إذ لا يمكن أن يقيم الكاتب حواراً فكرياً بين شخصياته، ما لم يعمد إلى مسرحة المكان، الذي من شأنه أن يخلق صراعاً بين الأفكار، كما أن من شأنه في الوقت نفسه، أن يخلق ألفة حميمة بين المكان وساكنيه ولا تتضح هذه الإلفه للمكان، بقدر ما تتضح لدى "مدحة" في رواية الرجع البعيد فعلى الرغم من أنه يعتنق فلسفة ذرائعية يدعوها بـ "الأنانية المنظمة"، وعلى الرغم من أنه يقف ضد التقاليد البالية التي تؤمن بها عائلته، يفكر للخلاص منها، فإن ما يشده إلى موطنه، هو البيت وأواصر الإلفة التي تربطه إلى هذا البيت: "هل سيكون في مقدوره مفارقة هذه الخرائب، إنها معجونة بدمه، خرائب الحجارة والبشر ص 197" ويؤكد قول مدحة هذا، حقيقتين، أولهما أن الإحساس بالألفة إزاء المكان، كلما كان هذا المكان أكثر بساطة، وثانيتهما، أن حس المكان في النفس البشرية وهو حس أصيل، ينبع من الحياة الجماعية التي يحياها الفرد في البيت، حيث يكون جزءاً من جماعة بشرية، غير منسلخ عنها، هي العائلة أو ما يماثلها، ومن المعروف أن اغتراب الإنسان في حضارتنا الحديثة، نشأ بسبب انسلاخ الإنسان عن الجماعة البشرية، وما ولده ذلك من إحساس بالعزلة والوحدة.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٢٩