تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد سقنا هذه المقدمة، لنخلص إلى القول، بأن الوصف في رواية الرجع البعيد، هو من النمط الانطباعي الذاتي، الذي يرى فيه القارئ الأشياء من خلال عيني الشخصية، ويدرك فيه العالم من خلال وعي وإدراك الشخصية لا الراوي، وهذا الأسلوب في الوصف، ينسجم مع الوحدة الأسلوبية التركيبية في الرواية، التي يغيب فيها الراوي الموضوعي إلى حد بعيد، وتظهر الشخصية القصصية ورؤيتها للأحداث، وصوتها المعبر عن هذه الرؤية، وهو ما سنفصل فيه القول في حديثنا عن بناء المنظور في الرواية.

وتبدو الأشياء، بموجب هذا الأسلوب، نسبية وغير مطلقة، وتتلون بعواطف ومشاعر الشخصية، في اللحظة التي تقع فيها عين الشخصية، على هذه الأشياء ويمكن أن نقف على جوهر هذا الأسلوب، حين تقف على رؤية كل من مديحة، ومدحة للغرفة التي يقيم فيها مدحة، بعد هربه من منيرة واقامته في الغرفة التي يقيم فيها حسين، إن الاهتمامات التي يفصح عنها الوصف من خلال عيني مديحة، هي اهتمامات أنثوية ! والعين التي تبصر هي عين الأنثى، مديحة: "جالت بعينيها في الغرفة حولها، كانت خالية بشكل غريب، عارية جرداء، رأت على الأرض أثار قيء يابسة، وأعقاب سجائر منتشرة في كل مكان ص 156".

إن هذا العري للغرفة، وما يلوثها من قيء وسجائر، لا تراه عين مدحة، بل تتلون رؤية هذه العين بمخاوف مدحة من الموت وشيك الوقوع، فتصبح جدران الغرفة، وما أحدثته فيها عوامل الطبيعة، لوحة تجسد كل مخاوف مدحة، من هذا القادم الرهيب:- استنارت الغرفة وبدا الحائط.. كان الشرخ الأسود الذي يخرقه من الأعلى إلى الأسفل يظهر أشد عمقاً الآن.. وبقع الرطوبة مثل سهوب ضربها زلزال، فشق أرضها دون رحمة، وأفنى الحياة عليها. عملاق مجنون يحمل منجله ويتراكض ليقطع رقاب الأطفال- يفني كل أثر للحياة.. هذا هو الفناء حقاً".

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٢٥