على أن بين فلوبير، ولآلئ نثره الفنية، التي تضاهي قصائد الشعراء البرناسيين، والمدرسة الجديدة في الرواية، مرحلة شهدت نشوء الرواية الانطباعية، أو رواية تيار الوعي، التي اختصرت المسافات بين السرد والوصف ودمجتهما معاً في ضمير الشخصية القصصية، فلم نعد نجد مقاطع وصفية مستقلة في الرواية عن السرد، بل نحن لا نستطيع أن نستخرج -على سبيل المثال- بضعة أسطر من "مسرد اللوي" تصف "لندن" أو المباني أو الحوانيت فيها، ولا أشكالها أو مواضعها(25) ففي الوقت الذي تضاءلت فيه أهمية وصف العالم الخارجي وصفاً مستقلاً عن السرد، لم تعد الأشياء تبدو أو تتراءى لنا من خلال العين الموضوعية للراوي، بل صارت تتراءى من خلال عيني الشخصية نفسها، وصرنا ندرك العالم من خلال وعي هذه الشخصية، لقد أصبح الوصف في الرواية الانطباعية، وفي المدارس الروائية التي أعقبتها، انطباعياً. إن كاتباً مثل فولبير، يصف الأماكن والمناظر ومن ثم يضع فيها مأساة إنسانية، أما هذا الديكور.. فليس له وجود لدى مالرو: لأن الأوصاف تعيشها ضمائر الشخصيات، بدلالة أعمالهم(26)، كما يقول البيريس، وهذا الأسلوب الجديد في الوصف، هو ما أطلقت عليه الناقدة "ألوريل برنتن" فيما بعد، مصطلح "الإدراك المتمثل" وهو عنصر مهم في أسلوب قصص عام أسمته الناقدة "الكلام و الفكر المتمثل"! وينهض هذا الأسلوب في الأساس، على غياب الراوي ورؤيته للأحداث والعالم من الرواية، غياباً ظاهرياً، وبروز صوت ورؤية الشخصية القصصية(27).
قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢٢٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢٢٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي