ولا ينتهي سرد قصة الكلب، التي تؤدي وظيفة الإرصاد والترميز معاً، عند هذا الحد، إذ يستعيد مدحة صورته مرة أخرى -بعد أن أصبحنا كقراء على يقين من أن موتاً شبيهاً بموت الكلب لا محالة واقع -ليتأكد لنا إحساسنا بأن الموت الذي توقعناه، على وشك أن يقع، وأن الضحية هو مدحة نفسه، ففي الجزء الأول من الفصل الثاني عشر، وفي الوقت الذي يسمع دوي المدافع، ويحاصر الحي الذي يلجأ إليه مدحة- والذي تقع فيه غرفة "حسين" زوج أخته مديحة- تعود صورة الكلب المحتضر إلى ذاكرة مدحة، فإذا القدر الذي كان يحاور ويناور حتى الآن يصبح وشيك الوقوع. ففي الوقت الذي يرى مدحة في أحد أحلام نومه أنه يطعن زوجته منيرة ويمزق جسدها، يرى مدحة وهو ينظر في المرآة وجه قتيل لا قاتل، وضحية لا جزار، يقول الراوي لا يبدو على وجهه مطلقاً أن بمقدوره أن يكون قاتلاً في الحلم في الحقيقة، وهذان الخطان اللذان يحيطان بأنفه وفمه، وتلك الإعوجاجة الخفية في شفتيه، هم بالأحرى، مع الانطباع السري لما تبعثه عيناه إمارات شخص يورد مورد الهلاك.
اخترقت ظهره قشعريرة سريعة، سيماهم في وجوههم ثم أضاءت ذهنه، لحظة، صورة خاطفة لعيني الكلب المدهوس العينان الجمرتان، أشارتا الاستغاثة الأخيرة ص 302".
وينتصر مدحة إلى كل أفكار الظلام فيه، وينتصر للحياة، ويقرر العودة إلى زوجته، إلى أنثاه، منيرة بعد أن غفر لها، وصفح عنها، ولكن حين يحاول الخروج من الحي المحاصر، يخفق ويموت برصاصة تخترق فخذه الأيمن.
وهو يعبر الشارع راكضاً، تماماً، كما مات الكلب وهو يحاول عبور الشارع أيضاً، ومن هنا الدلالة العميقة لهذا الرمز فضلاً عن وظيفة الإرصاد التي يؤديها!!