فبالرغم من الإيقاع البطيء في رواية الأبله، فإن إحساس القارئ بسرعة السرد ينجم من خوفه أن شيئاً ما، مخيفاً، سيقع. وهذا التسريع للحكاية، الذي يشير إليه موير يؤكده باختين على الرغم من أنه يرى أن رؤية دستويفسكي لتناقضات عصره هي رؤية في المكان لا في الزمان يؤكده حين يقول عن دستويفسكي أنه يحاول "... أن يركز في لحظة واحدة أكبر قدر ممكن من التنوع، ومن هنا محاولة دستويفسكي تتبع المبدأ الدراماتيكي لوحدة الزمن في الرواية، ومن هنا أيضاً السرعة الرهيبة للحدث "حركة عاصفة" من هنا أيضاً ديناميكية دستويفسكي(23)
وفي رواية "الرجع البعيد" تؤدي وظيفة الإرصاد، قصة صغيرة جداً، بل وحدة سردية صغيرة، هي تلك التي تتعلق برؤية "مدحة" لكلب فارق الحياة، بعد أن دهسته سيارة وهو يحاول عبور الشارع "رآه فجأة، بدت له العينان الساطعتان أولاً، كان ممدداً وسط الشارع على القير الأسود الحائل، كلباً هرماً لا لون له.. كانت عيناه السوداوان تنبضان بإشعاع غريب لا مثيل له. كتلتا سواد.. تصرخان تستغيثان ص 107" إلا أن ذكر الحادث لا ينتهي بسرده سرداً مفرداً لمرة واحدة، بل يتكرر سرد الحدث أكثر من مرة عن طريق استعادة مدحة له عبر حواراته الداخلية الصامتة، وتقترن عينا الكلب لديه بعيون الأحبة "وعيون الأحبة والكلاب؟ إلى الجحيم بها" ثم يتكرر ظهور الكلب المدهوس في رؤيا من رؤياه، إذ نرى فيما يرى النائم نفسه على طريق خارجي في مدينة أوربية، وهو يسأل فتى "رث الثياب" لم نأتي هنا إذا كانت الكلاب تموت على قارعة الطريق أيضاً؟
كان ضيق الصدر تتماوج في نفسه رغبة عارمة في البكاء...
عينا الكلب المحتضر تنفثان دموعاً تجري بسكون".