تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن القص في الرجع البعيد، يتسم من جهة ثانية، بالكثير من خصائص القص في الرواية الانطباعية ورواية تيار الوعي، إذ غالباً ما يتم القفز على فترات عريضة أزمان ميتة دون ذكر هذه الأزمنة، وأكثر هذه الفجوات أو الثغرات التي لا يشير إليها السرد. هي الفترة الواقعة بين الفصل الأول والفصل الثاني وهي فجوة زمنية عريضة نسبياً، ويؤدي هذا الأمر إلى الحد من البطء الذي يتسم به إيقاع السرد، ومن تضخم وهيمنة "الوقفة" الناشئة في الرواية عن التحليل والتأمل وفلسفة الأحداث..

التنبؤ والإرصاد وزمن السرد

برغم من بعض النقاد، كادوين موير، يرى أن العالم الخيالي للرواية الدرامية، يقع في الزمان، فإن الواضح على رواية الرجع البعيد أنها تستمد دراميتها لا من الزمن حسب، بل ومن المكان أيضاً، إذ تقوم على رؤية التناقضات رؤية متجاورة في المكان، ولقد أشار الناقد باختين إلى أن الرؤية الدرامية للروائي الكبير دستويفسكي، تكمن في رؤيته للتناقضات في المكان، وفي ذلك يقول: "إن أهم سمة أو صفة للرؤية الفنية عند دستويفسكي، لا تتمثل في الشكل، بل التعايش وفي التأثير المتبادل. لقد رأى عالمه وأدركه بالدرجة الأولى في المكان لا في الزمان، ومن هنا ميله العميق للشكل الدرامي(16).

ويتفق هذا الأمر مع إشارة الناقد هوفمان، إلى أن رواية الأفكار، تجد في الأماكن الضيقة والمحدودة أماكن ملائمة للتعبير المتنوع عن التعدد الثقافي والفكري فغرفة الضيوف والحفلة والعشاء.. هي البؤر البنيوية المفضلة لمثل روايات الأفكار هذه(17) ومن الواضح أن المكان في الرجع البعيد يلبي حاجة الرواية الدرامية إلى المكان المسرحي الضيق الذي من شأنه أن يظهر المتناقضات والصراع بينهما، إذ تجري معظم أحداث الرواية في دار شرقية تقع في محلة باب الشيخ، وإن امتدت هذه الأحداث لتشمل أحياء وأماكن أخرى من مدينة بغدد.

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢١٦