إذا كان الأمر كذلك بالنسبة للشخصيات الساردة، فإن من شأن الرواية أو السرد الموضوعي للأحداث، ومن شأن السارد الموضوعي المبنى للمجهول، أن يستخدم تقنيات معينة "ليفكر" الأحداث ويجعل الشخصية التي تروي الأحداث من وجهة نظرها تتأمل الأحداث والعالم. ومن هنا كان الاستخدام الواسع، لما يسمى بالفرنسية بـ "الأسلوب غير المباشر الحر" أو تسمية الناقدة الانكليزية دوريت كون بـ "الحوار المسرود أو المروي" بصورة واسعة في الفصول التي تروى. من وجهتي نظر مدحة وحسين بصورة خاصة، فضلاً عن استخدام القاص لأشكال الحوار الصامت الأخرى.
كالحوار الصامت المباشر والحوار الصامت غير المباشر..
وفضلاً عن التأمل والتحليل اللذين من شأنهما أن يجعلا الإيقاع البطيء إيقاعاً مهيمناً على السرد، فإن واقعية القاص التي تصبح واقعية تسجيلية، في ما يخص بعض الأحداث والشخصيات، تصبح عاملاً مساعداً في هيمنة هذا الإيقاع على السرد، وتتجلى هذه الواقعية التسجيلية في تلك الحوارات والأقوال المكرورة الصادرة عن جدة وعمة مدحة ونداءاتهما الوضيعة في طلب الطعام، تلك النداءات التي تجعل من الطابق الثاني الذي تقطنان فيه، مكاناً شبيهاً بالحلقة الثانية في جحيم دانتي، التي تضم كل أولئك الذين اتسمت حياتهم بالضعة، والتي كتب على بابها بلون داكن "أيها الداخلون أطرحوا عنكم كل أمل"، والواقع أن ما يمنع هذا التفسير أو الفهم للأحداث والشخصيات، إن منيرة وأمها تشاركان العجوزين السكن في الطابق الثاني، تلكما العجوزان اللتان يصبح الراوي معهما مجرد مصورة "كاميرا" ومسجلة صوت، تسجل كل ما يصدر عنهما من كلام.