ولكن هذه الفكرة التي بشر بها في المجتمع الروسي الناقد والروائي تشير نشيفسكي ورد عليها دستويفسكي محاولاً دحضها، تدحض أخيراً لدى مدحة، عندما يثور على أنانيته وعجزه، وعلى القيم الموروثة الظالمة ويقرر العودة إلى زوجته منيرة، تماماً كما تدحض فكرة "السوبرمان" لدى راسكو لنيكوف الذي ينتهي بفعل تجربته إلى الفضيلة، بعد محاولته تجاوز الفرد الإنساني، من أجل الوصول إلى الإنسان السوبرمان الذي بشر به نيتشه.
وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تكون "منيرة" مجرد شخصية بشرية عادية من شخصيات الرواية، فالهالة التي تحيط بها، والانجذاب الذي يشد العديد من أفراد العائلة إليها وخاصة مدحة وكريم وسناء. والظلم الذي يقع عليها.
كل ذلك يجعل منها رمزاً لفكرة ما، كما أشار بعض النقاد(15).
ونعود إلى الخصائص الفنية لرواية الأفكار التي تنتمي إليها الرجع البعيد لنشير إلى أن الرواة فيها، سواء أكانوا رواة موضوعيين أم ذاتيين مشاركين في الأحداث، لا يقتصرون في الإخبار والابلاغ على الأحداث حسب، بل إن الأخبار والأحداث تقدم مصحوبة بتأملات وأفكار الشخصية ورؤيتها للأحداث وللعالم، وتؤدي هذه الخاصية إلى جملة من الخصائص الفنية، أبرزها أن تغور الحكاية تحت وطأة التأمل والتحليل، وأن تهيمن إلى حد كبير تقنية "الوقفة" وأن يسود الإيقاع البطيء على السرد في الرواية..
وإذا كان هذا التحليل للأحداث والتأمل للعالم ولكثير من الظواهر الكونية والاجتماعية. يعبر عن نفسه بسهولة في الرواية أو السرد الذاتي، أي عندما تكون الشخصيات المشاركة في الأحداث، هي التي تروي هذه الأحداث، كشخصية كريم، وشخصية منيرة، بحيث تبدو الفصول التي ترويها هذه الشخصيات. وخاصة الفصول الخاصة بكريم فصولاً للأفكار والتأملات أكثر منها فصولاً للإبلاغ..