ومن الواضح، ونحن بصدد دراسة الرجع البعيد، أننا إزاء نمط من الرواية، تختلف تقنيات السرد فيها عن تلك التقنيات المعروفة في الرواية الواقعية أو الطبيعية، وكذلك الانطباعية، ذلك أن الرجع البعيد، تنتمي إلى نمط من الرواية دعاها بعض النقاد، مثل فردريك هوفمان بـ "رواية الأفكار" مشتقاً هذه التسمية من رواية "الألحان المتقابلة" لالدوس هكسلي ويشير هوفمان إلى أن هذه الرواية هي "شكل قصصي خاص بعصر قلق أي عصر لم تثبت فيه المعايير تثبيتاً لا محيد عنه ولا تغير له"(14) ويشير هوفمان إلى أن كون هذه الرواية رواية أفكار لا يعني أن الشخصيات فيها هي مجرد أبواق أو لافتات للأفكار، بل هي رواية أو دراما الأفكار المتشخصة. ومما يبرهن على صحة هذه المقولة أن التكرلي وهو قاص شخصيات بالدرجة الأولى، استطاع أن يطوع هذا الشكل الدرامي ليكون شكلاً خاصاً بالأفكار والشخصيات في آن واحد. وليس عجيباً أن تكون بعض شخصيات الرجع البعيد تجسيداً لأفكار وأيديولوجيات معينة، كان يكون كل من كريم وحسين تجسيداً لفكرة العبث واللاجدوى، وإن اختلفت دوافعهما لدى الاثنين، فبينما تنشأ فكرة اللاجدوى بدافع فكرة الموت لدى كريم، تنشأ لدى حسين بدوافع أخرى، هي نفس تلك الدوافع التي تحدث عنها كامو مشيراً إلى أنها قد تفاجئ المرء في شارع أو في مطعم، فضلاً عن أنها ناشئة لدى حسين، عن عجز وسلبية في مواجهة الحياة بكل واقعيتها، أما مدحة فهو تجسيد لفكرة "الأنانية المنظمة" وهي فكرة المعروف عنها أنها نشأت في المجتمعات الرأسمالية، وواكبت نشوء التراكم الرأسمالي في هذه المجتمعات.
قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ٢١٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
قراءات في الأدب والنقد دراسةص ٢١٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي