ولكي نقف على طبيعة هذا البناء سنشير باختصار إلى حدث يسرد سرداً متعدداً، وإلى بناء الزمن في فصل من فصول الرواية، هو القسم الثاني من الفصل الثاني عشر الذي يمثل الساعات الأخيرة في حياة "مدحة".
أما الحدث الذي يتكرر أو يتعدد سرده، فهو حادث عودة كريم إلى الدار بعد موت فؤاد إثر حادث دهس، فنحن نرى كريم من وجهة نظر أمه في الفصل الأول من الرواية، والراوي يروي الحادث ومن وجهة نظرها، على هذه الصورة: "وكان عبد الكريم جالساً على سرير نومه دون سترة، وهو ينظر بذهول واستغراب إلى بنطلونه ويديه، رفع عينيه إليه أول دخولها، انبأتها نظراته بما يضطرم في داخله من قلق واضطراب. كان خائفاً، مرتبكاً، مستنجداً، سحبت بقعة كبيرة داكنة على القسم الأعلى من بنطلونه وأطراف ثوبه الأبيض، راعتها نظراته وما انطبع على وجهه، أسرعت إليه فركعت قربه على الأرض، ثم يلي ذلك ذكر الراوي لصراخ الأم ص22.
هذا الحدث نراه من وجهة نظر أخرى هي وجهة نظر "مدحة" بعد مئة صفحة في الرواية، وهذه رؤية مهمة لأنها تشير إلى بعض الخصائص الفنية لهذا النمط من الرواية الدرامية، التي يطلق بعض النقاد عليها تسمية رواية الأفكار، يقول الراوي وهو يسرد الحدث من وجهة نظر مدحة:
"وكان عبد الكريم يحرك، ذراعيه، بشكل عشوائي لا غاية منه، وفي نظراته تساؤل وضياع، آلمه ذلك فجأة، أمسك بذراعيه يهدئه ويحاول أن يعيد إليه تماسكه.. حين اقتحم عليهم والده الغرفة كالعاصفة الهوجاء... ثم ارتمى عليهم.
احتضن أبوه عبد الكريم وأخذ يهزه ويقبله. دخلت مديحة الغرفة آنذاك مولولة وفي عينيها أثار النوم.. ابتعد قليلاً عن الجمع الضاج، اطمأن أن أخاه لم يكن جريحاً، وبقي يراقبهم بسكون. العائلة اللامقدسة تعيش هلوسة المشاركين الوجدانية الحزينة لقد توارثت أعياد النواح، تلك سمة ديموتها منذ الماضي السحيق في التفاهة والعقم ص 115".