وثمة خاصية أخرى تميز بها سرد "الرجع البعيد"، فمن المعتاد في الروايات ذات السرد اللولبي أو السمفوني، أن نرى الحدث، من وجهات نظر مختلفة ولكن وفق نسق التتابع، وفي رواية أخرى كنا سنرى مجيء عدنان، من وجهة نظر أكثر الشخصيات صلة بهذا الحدث "منيرة" ثم تلي ذلك رؤى أخرى لهذا الحدث من وجهة نظر شخصيات أخرى لكن ما يحدث في رواية التكرلي- وهو ما يعزز الطابع الفردي والنسبي للزمن- أن يجري الأمر على العكس من الأنساق التقليدية، ضمن هذا السرد الحديث، فالحدث نراه مع كريم من وجهة نظر (عمة مدحة) التي تروي الحدث محملة إياه ريبتها وشكوكها، وكل ما تتمتع به حاسة الشم لدى الأنثى، ثم نراه من وجه نظر الطفلة "سناء" التي رافقت منيرة إلى الباب الخارجي للدار عند مجيء عدنان، وشهدت انهيار منيرة خلف باب الدار بسبب طرقات عدنان الغليظة عليها، ثم ترى الحدث أخيراً، من وجهة نظر منيرة نفسها، التي ترويه رواية ذاتية بضمير المتكلم. مع أن أحداثاً أخرى يتكرر سردها في الرواية ويتعدد وفق نسق آخر، كحادث مجيء والد "فؤاد" ليسأل كريم عن اللحظة التي مات فيها ولده، وسقوط كريم من ثم في نهاية المجاز المظلم- هذا الحادث الذي نراه أول الأمر من خلال رواية كريم نفسه له، ثم نراه من خلال رواية شخصيات أخرى للأحداث -وبالرغم من ذلك فإن النسق الذي رتب وفقه سرد حدث مجيء عدنان، جعل الرواية وكان سرد الأحداث فيها يبدو مقلوباً، والقارئ لأول وهلة يعتقد أن السارد يروي الأحداث من نهايتها لا من بدايتها
ومن وجهة نظر ثانية، فإن التعددية واللولبة في سرد الأحداث، لا تعدّان نسقاً مهيمناً على أحداث الرواية ككل، بل هما يكونان نسقاً مهيمناً على الفصول نفسها، وخاصة تلك الفصول التي يرويها كريم، أو التي تروى من وجهة نظر مدحة أو غيرهما من الشخصيات الأشد بروزاً في الرواية.