تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن شخصيتي القصة الرئيستين، لا تبدوان غريبتين لأنهما غير موجودتين في المجتمع العراقي، في تلك الحقبة من التاريخ، التي ظهرت فيها القصة، بل لأن المؤلف لم يكن قادراً على إقناعنا بهما، فالشخصية في اللحظة التي تغادر فيها الواقع إلى القصة أو الرواية تبدأ بالحياة طبقاً لقوانين العمل الفني نفسه، وتكون هذه الشخصية مقبولة أو (صادقة) بقدر ما يستطيع العمل الفني أن يقنعنا بها. إنْ أحداً لا يستطيع أن يؤكد وجود شخصيات دون كيخوته أو هاملت أو فاوست وجوداً واقعياً وتاريخياً بحيث تتطابق فيه مع وجودها الفني، وعلى العكس فإن هذه الشخصيات التي تبدو غريبة عن مرجعيّاتها الواقعية التاريخية، عدّت نماذج واقعية، بل عدها المنظرون الواقعيون ورواد المنهج السوسيولوجي في النقد، ولا سيما لوكاش نماذج للبطولة التي تجمع بين الخاص والعام بصورة يبدو فيها العام وكأنه شديد الخصوصية، ويبدو فيها الخاص وكأنه عام شديد العمومية، وبكلمة، نماذج للبطولة في الأدب الواقعي، في أبرز نماذجه العظيمة.

ويجب أن نسارع للإشارة إلى أن د. عبد الإله أحمد، حاول في كتابه التالي (الأدب القصصي في العراق منذ الحرب العالمية الثانية) أن يصحح موقفه، بعد أن أدرك خطأ موقفه السالف، حين وصف مثالية القاص "بأنها مثالية فكرية لا واقعية، تحاول أن ترسم صورة لما يريد القاص أن يكون لا ما هو كائن في واقعه فعلاً" وواضح أن الباحث ينطلق هنا من الموقف الأرسطي القائل بأن الأدب لا يصور ما هو كائن فعلاً، وإنما ما يمكن أن يكون إلا أنه هنا يحاول أن يبرر للمؤلف إخفاقه الفني، في أنه لم يستطع أن يقنع قراءه بصدق أحداثه وشخصياته، إذ يضيف الباحث قوله بأن "القاص في هذه المثالية الفكرية لم ينفصل عن الواقع، فقد استطاع أن يحلق بخيال قارئه إلى عالم ليس مستحيلاً على واقعه أن يحققه"(18).

قراءات في الأدب والنقد دراسة · الصفحة ١٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءات في الأدب والنقد دراسةص ١٥١