تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... قلت –خافضاً رأسي غاضاً بصري متجهاً إليه بكلّي: يا رسول الله؛ إني والله، لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، وسيرضى عني، لقد وهبني الله لساناً فصيحاً وبديهة حاضرة وجدلاً صائباً، ولكني والله، لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكن الله يسخطك علي، وإن حدثتك حديث صدق يجعلك تغضب عليَّ فيه إني لأرجو حسن العاقبة بتوبة الله تعالى عليَّ إذ كنت صادقاً... ولن أقول سوى الصدق يا رسول الله، والله ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ قطُّ أقوى، ولا أيسر منّي حين تخلفت عَنك.

... إن الإنسان العادي ليعرف من محدثه الصدقَ، وتهويمَ الكذب، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بلغ العلا بكماله، وكرمت جميع خصاله.. لقد قال صلى الله عليه وسلم: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك" وقمتُ، وسار رجال من بني سلمة قومي ، فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت أن تعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبَكَ استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك،.. إنهم لم يريدوني أن أكذب.. إنما أن أختصر الطريق إلى السلامة كما فعل الآخرون حين أبدَوُا الأعذار، فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأوا أني حملت نفسي ما لا لزوم له، فألحوا عليَّ يؤنبونني على ذلك، ويكثرونه، حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذّب نفسي وأدعي ما ادعاه المتخلفون الآخرون.

... لكن الله ثبتني إذ قلت لهم: هل قال غيري مثل ما قلتُ، فأجابهم رسول الله مثل ما أجابني؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، قل من هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العَمْريُّ، وهلال بن أمية الواقفيُّ.. قلت: إنَّ لي بهما أسوة حسنة، فهما رجلان صالحان قد شهدا بدراً، ولن أكون إلا ثالثهما.. ومضيت حين ذكروهما لي.

قراءة في غزوة تبوك · الصفحة ٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءة في غزوة تبوكص ٥٠