تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

... قال كعب: فلما بلغني أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلاً من تبوك، اشتد حزني، سوف أقف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسألني سبب تخلفي عنه، فماذا أقول له؟ أأكذبه متعللاً بما ليس من الحقيقة بمكان؟ وهل يليق بمن بايع رسول الله أن يكذب؟ حاشا وكلا، بمَ أخرج من سخطه غداً؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي.. وأنّى للباطل أن يكون ردءاً؟ إنه سرعان ما يزول حين يسطع ضياء الحقِّ، ويضمحلّ حين يقبل العذر ولو كان صاحبه كاذباً، لكنني أخاف أن لا يرى فيَّ كعباً الذي كان يعرفه، فأسقط في ميزانه، وقد خاب وخسر من زلّت مكانته عند الصادق الأمين.. فلمّا قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أظلَّ قادماً زاح عني الباطل حتى عرفت أني لم أنجُ منه بشيء أبداً، فعزمت على الصدق معه، وإذا كان الكذب ينجي –أحياناً- فالصدق أنجى.. يا ربّ؛ هب لي لسان الصدقِ، ورضِّ عني نبيك وحبيبك..

... وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً، وكان إذا قدم بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين سنة المجيء من السفر، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون يعتذرون إليه ويحلفون كعادتهم كاذبين، ليرضى عنهم رسول الله، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتَهُم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى، فليس من عمل الداعية أن يبحث وينقِّب عما في نفوس الناس.. وجئت أمشي إليه صلى الله عليه وسلم وقلبي يخفق ونَفَسي يتردد.. كيف يفعل حين تقع عيناه عليَّ.. لا بد أن آتيه، إنه قَدَري وأحْبِبْ به من قَدَرٍ سام عليٍّ سامقٍ صلى الله عليه وسلم، فلما سلمت عليه، تبسَّمَ تبسُّم المغضب، تبسُّم الذي يعرف معادن الرجال، فيسألهم ليحفظ لهم ماء وجههم، ثم قال: تعال... بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هكذا كنت أقول في نفسي.. فقال لي: "ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك واشتريت راحلتك"؟

قراءة في غزوة تبوك · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

قراءة في غزوة تبوكص ٤٩