... ما أشد وحشة المدينة مذ فارقها ضوءها، وما أشدَّ كآبتي فيها حيث خلا منها الحبيب والأنيس... يا ويحي! أهذه المدينة التي أهواها ؟ أراها باهتة!! أهذه المرابع التي ملأت قلبي فأحببتها ، وجاهدت عنها في أُحد والخندق؟ غاب عنها النور، ابتعدت عنه مصابيح الهداية، غادرها المسلمون بقيادة هاديهم إلى مهمة عظيمة، يا ويحي!! ما لي أنظر في أرجائها فلا أرى فيها إلا المنافقين يرتعون ويمرحون.. أأنا منهم؟! رحماك يا رب.. هؤلاء بعض الضعفاء من المسلمين جالسين، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لضعفهم... ولست منهم، فأنا صحيح الجسم معافى.. ما الذي أخرني عن حبيبي وقرَّةِ عيني.. رحماك يا رب، وهؤلاء بعض المسلمين الفقراء جاءوا إلى رسول الله يسألونه أن يحملهم معه للجهاد فيعتذر حين لا يجد ما يحملهم عليه، فيتولّون باكين، وأعينهم تفيض من الدمع أنْ لم يجدوا ما يبلغون به تبوك.. وأنا غني ميسور.. رحماك يا رب!! أي معصية حلت بي ، وأيُّ فتنة لزمتني؟!
... أدور في أنحاء المدينة كاللديغ لا يقرُّ لي قرار، ثم أعود إلى بيتي وبستاني وزرعي وظلي وأهلي..!!.. بئس ما صنعتُ.. رحماك يا رب رحماك يا رب..
... ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم: "ما فعل كعب بن مالك؟" واخجتلاه منك يا سيدي يا رسول الله! واخلجتي منك يا سيد المجاهدين وبطل المحاربين، قد خاب ظنك بكعب هذا.. ليت كعباً لم تلده أمه..