ضمن هذه الأجواء التي تفتقد إلى أدنى درجات التوازن بين الطرفين المتحاربين، كان الإنسان العربي يتعلق بالأمل، فلعل الثبات يؤدي إلى.. الصمود، والصمود يؤدي إلى فشل العدوان. كان الحديث في الشارع العربي وفي الإعلام، وحتى في الأوساط السياسية والعسكرية، يدور حول قوات الحرس الجمهوري والقوات التي أطلق عليها "فدائيو صدام"، وإنها سوف تقوم بواجب مجابهة القوات المعتدية خير قيام، إلى جانب المجابهة الشعبية التي ستكون الرديف القوي للدفاع عن الوطن.
في الأيام الأولى من العدوان كان الأمل شبيهاً بالواقع، أو بعبارة أخرى، كانت العواطف العربية تتمنى ذلك. فالمقاومة التي ظهرت في الجنوب مع بداية العدوان، وصمود "أم قصر" لمدة خمسة عشر يوماً في وجه القوات المعتدية، تلك البلدة الصغيرة التي لا تزيد شوارعها عن الأربعة فقط، والواقعة عند فم القوات الأميركية المهاجمة من الجنوب، فهي مجرد ميناء صغير على الخليج العربي، ولا تبعد عن الحدود الكويتية سوى عشرات الأمتار. ومع ذلك فقد صمدت خمسة عشر يوماً، إلى جانب المقاومة في مدينة الناصرية التي شهدت معارك عنيفة جداً بين كرّ وفرّ، إضافة إلى المعارك التي كانت تجري في منطقة البصرة.
لقد تفاءل الإنسان العربي بالنصر، وظن أن جيش العراق وشعب العراق في الجنوب والوسط، باستثناء الشمال، قد التحم في وشيجة نضالية متراصّة، متناسين الخلافات والأحقاد والمناحرات التي حصلت في الماضي، غير عابئين بأولئك الذين أطلقوا على أنفسهم "قوات المعارضة" ودخلوا أرض العراق على ظهور الدبابات الأميركية. هذه الطريقة التي لم يخجل منها أولئك الداخلون، بل راحوا يفتخرون بذلك. فعندما قيل في إحدى الفضائيات العربية لمحمد بحر العلوم، عضو ما يسمى المجلس الوطني المعين من قبل بريمر، إنكم دخلتم على ظهور الدبابات الأميركية، فقال مؤكداً ومفتخراً، وعلى ظهور الدبابات البريطانية أيضاً.