ويؤسفنا أن ننقل إلى الجمعية العامة أنه بالنسبة إلى موضوع الوساطة التي عرضتها تونس ومراكش، فقد رفضت فرنسا، تمام الرفض هذا العرض دون أي مبرر صحيح. ولم تكتف الجمعية العامة عند ملاحظة هذه الوساطة بمجرد دور المسجل فيها، فالصيغة العامة للقرار تتضمن هذه الوساطة التي عرضتها تونس ومراكش. ولكن فرنسا قد رفضت هذه الدعوة، وبوصفها دولة عضواً في الأمم المتحدة ـ لا تستطيع فرنسا، دون أن تكون لها أسباب قوية، أن ترفض إجراءً نص عليه الميثاق لإيجاد تسوية سلمية للمنازعات الدولية، ولا سيما إذا كانت الجمعية العامة قد بينت سبيل هذا الإجراء.
ولم يكن رفض فرنسا هو النهاية، فقد " نسفت " فرنسا كما يقولون هذه الوساطة من جذورها. ففي الثامن من شباط عام 1958، أي بعد شهرين من قرار الأمم المتحدة، اقترفت فرنسا عدواناً على الأرض التونسية، إذ قامت الطائرات الفرنسية بقصف بلدة ساقية سيدي يوسف، محدثة دماراً شاملاً، وخسارة الكثير من الأرواح، بينها أرواح بعض النساء والأطفال. وقامت القوات الفرنسية بعد ذلك في شهر أيار بعمليات عسكرية أخرى ذات طابع عدواني خطير في ضواحي رامادا. وكانت هذه الاعتداءات الفرنسية، موضوعاً لشكايات قدمت إلى مجلس الأمن. وقد قرر المجلس، بعد مناقشات طويلة، أن يطلب إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، استخدام وساطتهما الخيرة لتسوية الخلاف بين فرنسا وتونس. وهكذا أصبحت المفارقة صارخة، ففي الوقت الذي كانت تعرض فيه تونس وساطتها في قضية الجزائر، أضحت هي عرضة لوساطة الولايات المتحدة