بالفعل نقرر الأسبقية بالنسبة للأهمية، لكانت قضية الجزائر في الطليعة، إذ ليس هناك في جدول الأعمال، أية قضية تفوقها مركزاً وأهمية بالنسبة لمناقشاتنا. ولا ريب في أن المواضيع التي بحثنا فيها من دولية وإقليمية، ما زالت، تحتل أفكارنا، وتسيطر على جزء كبير من اهتمامنا. لكن قضية الجزائر ستظل المفضلة على كل قضية، ليس هناك من موضوع يستطيع ادعاء الأفضلية على قضية سيادة واستقلال.
ومع ذلك، فقد تركنا قضية الجزائر إلى النهاية، متعمدين، قاصدين. ولم نحاول الضغط لبحثها في الطليعة، و إعطائها الأولوية، بل نحن سمحنا بتراجعها إلى نهاية جدول الأعمال. ولا أفشي سراً، إذا شرحت السبب في ذلك. فقد كانت فرنسا على عتبة تجربة قومية جديدة. وكانت الجمهورية الفرنسية الخامسة في طريق الظهور، وكان لمشكلة الجزائر الفضل الكبير في ظهورها. وكان الجنرال ديغول يبدأ في تجربة دستور جديد، ويعد سياسة جديدة. وكانت قضية الجزائر، نواة هذه السياسة. وكان من المقرر إجراء استفتاء، ووضعت الخطط اللازمة للقيام بالانتخابات، وأخذت فكرة المفاوضات تنتشر في الجو. ومع وجود جميع هذه العناصر، كان من الإجحاف لكم، ومن الظلم للمشكلة نفسها، أن نشرع في المناقشة، قبل أن تتضح جميع معالم الصورة، وأن توضع في إطارها الصحيح. وكان من المبتسر حتماً، الفصل في المشكلة، بينما الاستفتاء لا يزال يطبخ، والانتخابات في طريق الاستواء. أما الآن، فقد طبخ الاستفتاء، واستوت الانتخابات، وأصبح كل شيء جاهزاً أمامنا، لا ينقصه أمر. فقد انتهى الاستفتاء، وجرت الانتخابات وأعلنت السياسة. وأصبحت الصورة بكاملها أمامكم، ترونها وتدرسونها وتحكمون عليها. وهكذا شاء القدر العادل، أن