مشكلة استعمارية :
وعلينا للبدء في هذا الموضوع، مهما كان نوع استهلال عملنا، أن نعد عقولنا أولاً وقبل كل شيء لتفهم ناحيتين على جانب كبير من الأهمية. فعلينا أن نقرر بأنفسنا طبيعة المشكلة، والفرقاء فيها. وعندما نتوصل إلى قرار بصددها، فإن الحل، يصبح متوافراً، وسهلاً على أحكامنا وتقديرنا.
أما بالنسبة إلى طبيعة المشكلة، فالصورة جلية كل الجلاء. وعلينا أن لا نتأثر مطلقاً بالغموض المصطنع، والإبهام الزائف، اللذين يحاولون إقحامهما على مناقشتنا. ولو طرحنا جانباً، وللحظة واحدة، موقفي تركيا واليونان المتباينين من ناحية، وآمال الجاليتين التركية واليونانية، في قبرص، المتعارضة بصورة قطرية، من ناحية أخرى، فإن القضية تظل في جوهرها قضية استعمار، وإذا شئنا الدقة في التعبير، قلنا إنها قضية استعمار بريطاني. فالنزاع الحالي بين اليونان وتركيا، رغم خطورته وشدته، في الوقت الحاضر، ليس إلا من مضاعفات الداء، وليس الداء نفسه. أما العلة، فتقوم بصورة مباشرة في وجود الاحتلال البريطاني للجزيرة، وتوجد في جوهر السياسة التي وضعتها المملكة المتحدة وأتبعتها. وعلى ضوء هذه الحقيقة الهامة يجب علينا أن ندرس بيان وفد المملكة المتحدة. وقد توقع الكوماندر نوبل، في عرضه للقضية البريطانية هذا الاتهام، فمضى يدافع عنه مسبقاً. وقد وضع بنفسه الهدف، ولكن محاولاته المتكررة لإصابته منيت بالفشل الذريع. وقد كرر في أكثر من موضع واحد من بيانه، أن المشكلة " ليست مجرد قضية استعمارية ". ولا ريب في أن بيان الكوماندر نوبل، يفضح حالة ذهنية معينة، إذ أنه يحسر النقاب عن رغبة المتهم في دفع التهمة عن نفسه، حتى قبل توجيهها إليه، لأنه يشعر