ومن المناظر الشائعة التي يحرص بعض الأجانب السائحين على رؤيتها منظر هذا الرقص البلدي، حتى أحيانا تجد الراقصة المشهورة ربحها الكثير في أن تسافر إلى أوروبا وأمريكا لعرض مناظر الرقص البلدي.
والمحترفات من العوالم والغوازي يجلبن في العادة ثروات كبيرة من النقوط ومن الأجور، وفي عهد محمد علي كانت الغوازي يرقصن في الشوارع فيثرن شهوات المارة، فصدر أمر بمنعهن من الرقص في الشوارع فحبا في الرقص كان يرقص بدلهن الخولات، وهم طائفة من الرجال فقدوا رجولتهم وتأنثوا في كلامهم وحركاتهم، فكانت البلوى أفظع، والمنظر أسمج.
وبتغير الزمان نظر إلى الراقصات نظرة لا بأس بها، على أن رقصهن فن جميل، وأخذ الرقص البلدي ينكمش شيئا فشيئا ليحل محله الرقص الإفرنجي على الجازبند.
رقية:
الرقية تعويذة يستعاذ بها من الشر وقد تكون الرقية من عين حاسدة، ولهم في ذلك طرق كثيرة؛ من ذلك أن تؤخذ قطعة من طرف ثوب صاحب العين وتحرق في النار، وتتلى عليها التعويذة.
ومن الرقى المستعملة كلمات تقال بعد وضع قليل من الملح في كيس صغير ويعلق في رقبة الأطفال، وهناك رقية خاصة تقال في أيام عاشوراء، وهي في العشرة الأولى من المحرم، فتعدد الأشياء التي في البيت، وتضاف إليها التعويذة، حتى لا تحسد وهناك رقيات كثيرة لا داعي للإطالة بذكرها، ومن ذلك تسميتهم «رقية»، وهي تصغير رقية.
الرقيق:
كان الرقيق منتشرا في مصر، وكان أنواعا، منه ما هو أسود وهو أقل قيمة، ومنه ما هو أبيض، وكان يستعمل في الطبقات الراقية، وأذكر أن والدي كان قد اشترى جارية سوداء ب «خمسة ونتو» ولكن لم تطق والدتي بقاءها لغيرتها، فاضطر والدي أن يبيعها.
وكان قصر عابدين في عهد الخديو إسماعيل مملوءا بالجواري البيض، لكل زوجة من زوجاته عدد كبير من هؤلاء الجواري، ولهن ألقاب وأعمال، فطائفة منهن كانت تسمى القلفاوات، ومنهن من وظيفتهن تنظيف البيت أو تدبيره، أو تقديم القهوة عند غياب الخصيان ونحو ذلك، وكانت السراي ترسل إلى إستامبول من يختار هذه الجواري.
وفي آخر عهد إسماعيل وزعت الجواري التي في السراي على كبار الموظفين والأغنياء، وكان الخديو يمنح كل جارية تتزوج مقدارا من المال تتجهز به في حدود خمسمائة جنيه ذهبا، وبعض النسل من البيوتات الكبيرة اليوم من هؤلاء الجواري، وفيهن في الغالب العنجهية التركية والأرستقراطية التي عهدناها.
وكانت هذه الجواري الشركسيات مستبدات بأزواجهن، لا يرضين حتى يخضعنهم لأوامرهن، وقد حدثت حوادث طلاق من هذا القبيل بسبب استبدادهن، وكل أزواجهن يلاقون عذابا شديدا بسبب طلاقهن، وأعرف حادثة غريبة في هذا الباب، وهي أن شابا جميلا منح مرأة شركسية من هذا القبيل، وكان يحضرها في العادة إلى بيت الزوج مال من أغوات السراي، فلما كشف عن وجهها وجدها عجوزا شمطاء شوهاء مسلولة، فخطر له في الحال خاطر غريب، وقبل يدها بدل أن يقبلها، وجلس أمامها باحترام، فاندهشت وسألته عن السبب، فقال: إن أبي كان تركيا، وقد وصف لي عمة تركية وصفا دقيقا ينطبق عليك، ولذلك أحترمك كعمتي، فقالت: إنه ليس لها أخ، ولكنه أصر، وما زالت تكذب هذا الخبر وهو يصر حتى يئست منه ودعت الأغا فأخذها وذهب بها إلى السراي، فغضب الخديو واستدعاه وما زال يلح عليه في قوله الحقيقة حتى قالها، فضحك الخديو وأعجب بذكائه، واختار له جارية أخرى شابة من شباب القصر جميلة.
وكان في القاهرة أسواق كثيرة لبيع الرقيق بنوعيه، من أشهرها دار قريبة من باب الخلق يشرف على كل بيت منها نخاس وله مساعدون؛ والمشتري للجارية له الحق في تقليبها كما يشاء، حتى في كشف عورة الأنثى، وبعضهم كانوا يضعون الجارية في طشت مملوء ماء ليعلموا إن كان جسمها يمتص الماء أم لا، ولكن والحق يقال كانت معاملة الملاك للرقيق معاملة حسنة، فكانوا يعتبرون كأحد أفراد البيت، وهن من جانبهن كن يخلصن لأسيادهن، ولكن لا ننسى أنهن كن أحيانا سببا لشقاء البيت، فقد كان مباحا للرجل طبقا للشريعة الإسلامية أن يتصل بجاريته، وكان هذا مثارا للزوجة الحرة، وكثيرا ما ينسل من الحرة ومن الجواري فيكون العداء بين الأولاد، وبذلك يكون البيت شعلة من نار.