وقد يعتقدون أن سبب المرض جنية سوداء لبست الرجل أو المرأة، فلا ترضى عمن لبسته إلا بالزار، وفي الزار هذا تدق للجني الأسود دقات على نغمات خاصة، يفقر من أجلها من لبسته الجنية، فيأتي بحركات بهلوانية. •••
وعقب تولي محمد علي مصر عرف كثير من الأتراك اعتقاد المصريين في الجن، فكانوا يلبسون بالليل ثيابا سوداء أو بيضاء ثم يخرجون، زاعمين أنهم جن، فيخاف المصريون ويهربون، فيغتنم الأتراك هذه المسألة ويفعلون ما يريدونه.
وأعرف سيدة مقعدة تعتقد أنه لبسها الجن بسبب أن أحد خدمها ضرب قطا أسود بالليل، فعاد القط شديد الصياح، ثم اختفى فخافت من أن يكون جنيا يؤذيها ، وكذلك كان.
وبعض المصريين والمصريات يزعمون في بعض البيوت أنها مسكونة، ومعنى أنها مسكونة أن الجن سكنوها، وخصوصا إذا حدثت في البيت حادثة قتل، فهم أحيانا يسمعون أنينا، وأحيانا يضرب البيت بالحجارة، ونحو ذلك، وأعرف صاحبا لي اشترى بيتا رخيصا في المعادي؛ لأنه قتل فيه صاحبه، فسكنته العفاريت، فبيع بنصف ثمنه أو أقل.
ويتصل بذلك اعتقاد الناس وخصوصا النساء بأن العفاريت تتقمص الرجال والنساء، فإذا تقمصتهم نطق الجن على ألسنتهم بأصوات غريبة، ثم أخبروا على ألسنتهم بأخبار غريبة، وتنبأوا بتنبؤات مستقبلة.
وكان في زمننا يكاد يكون في كل حارة أو جملة حارات شيخ أو امرأة من هذا القبيل، وحدث هذا للشيخ يوسف صاحب المقام المشهور، فقد تنبأ مرات بأحد المغيبات أمام الوالي، وصدق في تنبئه، فادعيت له الولاية وبني له مسجد كبير في شارع القصر العيني، ودفن فيه، واعتقد فيه.
وحدث مرة أن ادعت المرأة أن الجن تقمصوها، وذلك في عهد محمد علي باشا، ففتنت الجنود، وكثر اعتقادهم فيها، حتى استفحل أمرها، فخاف محمد علي من ذلك فاستدعاها إلى قصره، وكان الوقت ليلا، فأمرت بإطفاء الأنوار وادعت أنها تحضر الجني، فحضر، وتكلمت بكلام رجل كأنه الصوت يخرج من بطنها فأطراها محمد علي على فعلها وأمرها أن تقرب منه حتى يقبل يدها، فلما مدت يدها قبض عليها وأمر بإضاءة الشموع، فرأى أنها هي المرأة ولا جني ولا غيره، ثم أمر بإلقائها في النيل، فجزع الجند الحاضرون، وظنوا أنها ولية وأن هذا الأمر خارج عن الدين فقال لهم محمد علي: لا تجزعوا، لو كان الجن معها لأخرجوها من النيل، ولو كانت مدعية ادعاء باطلا فقد استرحنا منها، فلما ألقيت غرقت واستراح الناس منها.
وكان في حارتنا رجل يسمى الشيخ الصبان كان يبيع الفحم على باب الحارة ثم عمي وافتقر، وسكن في غرفة ضيقة فما لبثنا أن سمعنا أن جنا تقمصته، وأنه يبين المخبآت، ويتكلم بصوت غير صوته الطبيعي فقصده الناس من كل فج، وصلح حاله.
جنينة الأزبكية:
هي حديقة في حي الأزبكية ، تبلغ نحو اثني عشر فدانا، وهي الآن متنزه ينتزه فيه الناس خصوصا بعد العصر وتصدح فيه الموسيقي العسكرية يومين في الأسبوع هما يوم الأحد والجمعة، ولكن لها تاريخ طويل، لا يهمنا منه إلا ما كان قبل عصرنا بقليل، فقد عاصرت الاحتلال الإنجليزي وتعود الناس الحرية، وصارت كلمة الحرية تجري على كل لسان، فكانت جنينة الأزبكية مظهرا لتلك الحرية التي فهم الناس منها الفجور والخمور والحشيش والقمار.
وكانت جنينة الأزبكية مراد أصحاب الشهوات فامتلأت بحانات الخمور والمراقص والمغنين والمغنيات، وأماكن الحشيش والقمار والفساد، وأمها الناس من كل حدب، حتى كان اسم الأزبكية دالا على الفسق والفجور بأنواعهما، فما تبلغ الساعة الرابعة بعد الظهر، حتى يتزاحم الناس على الأبواب للدخول شيبا وشبانا، ورجالا ونساء يبغون الحظ والانشراح، وتنتشر في طرقاتها العاهرات، وبعد غروب الشمس يأخذ الأروام في ترتيب حاناتهم، وترى أمام الحانات من يحمل زجاجات الخمر وجوقات المغنين والمغنيات ترد تباعا؛ فإذا أظلمت الدنيا أضيئت الثريات والفوانيس، وتأخذ كل جوقة مكانها، وترص الكراسي رصا، ويملأ بعض صفوفها النساء العاهرات، أمام كل واحد مائدة، عليها ثياب خفيفة رقيقة ينطقن بألفاظ الفحش، ويتثنين تثنيا ملهبا للشهوات، ويملن ذات اليمين وذات اليسار، ولكل تخت فيه جمع من الآلاتية تتوسطه امرأة تسمى عالمة، تظهر دلالاها وفجورها، كل بحسب طريقته، ويقصدها كل ليلة الوارثون، وتنظر إليهم العاهرة نظرة فيها تنهد ليعرف أنه المراد، فيقع الواحد منهم في شركها، وأصحاب تلك القهوات غالبا من الأروام، فيحضر ويكثر من نعوت الباكويات والباشوية وسعادتك، فيقول بلهجة الآمر: «شوف الست» تشرب إيه؟ فتطلب الشمبانيا من الصنف الغالي الذي كان في وقتها يساوي عشرين فرنكا؛ أي ثمانين قرشا، وتشرب منها كأسا ثم تتركها وتطلب غيرها، باتفاق مع الرومي، وتصف الزجاجات التي طلبت على المائدة؛ فإذا امتلأت وضعت الزجاجات تحتها، وكلما برعت المرأة كثرت الزجاجات التي تفتح لها؛ وإذا عجزت المائدة عن الزجاجات من فوق ومن تحت صفت مائدة أخرى، وهكذا، حتى ليبلغ عدد الزجاجات أحيانا مائة زجاجة أو مائتين، فإذا فعل الرجل ذلك أشارت إليه المرأة إشارة شكر، ولا يزال كذلك حتى يفرغ جيبه، وهناك موائد القمار لا ترى فيها كاسبا إلا الرومي صاحب الحان، وكان في الجنينة جبلاية وبركة، وفوق الجبلاية قهوة ملئت بالنساء العاهرات جلسن بجانبهن الشبان.