وأخبرت أن عميد جامعة أمريكية في بيروت قتل ابنه الوحيد في الحرب العالمية الثانية، فلما ذهب بعض الأصدقاء ليعزوه هو وزوجته لم يلاحظوا عليهما أي شيء غير عادي، فظنوا أن الاسم مغلوط، وأبوا أن يعزوهما، حتى لا يقعا في خطأ، ثم تأكدوا من أن الخبر صحيح وأنهما هما المنكوبان، فعجبوا من ضبط عواطفهم.
وكان لنا جارية ومات أحد أقاربنا وكان عزيزا علينا فحلقت شعرها وظلت أربعين يوما لا تأكل إلا الزيتون الأسود، ولا تنام إلا على حجر، ولا تشرب القهوة إلا سادة، وتدعي أن في ذلك وفاء للميت، وقد زال كثير من تلك العوائد اليوم.
الجناس اللفظي:
يولع المصريون في كلامهم بالجناس اللفظي يستعملونه في نكتهم وفي أغانيهم كثيرا مثل قولهم في الأغاني:
محبكم داب وأنتم لم دريتو به
والنار بترعي فؤاده وأنتم لم دريتو به
وهي متجانسة اللفظ، ومعنى الشطر الأول أن المحب ذاب من حبه، وأنتم لم تدروا به، ومعنى الشطر الثاني أن النار ترعى فؤاده، وثوبه لم يدر بالنار ... وأعرف صديقا كان يسير في الشارع فقابله رجل يعرفه فسأله: ماذا فعل فلان في الامتحان؟ قال له: ما نجحش، فقال: ما أنا عارف، ولكن هو عمل إيه؟ فكانت نكتة؛ لأن كلمة ما نجحش، فسرها بمعنى أنا جحش.
جن: «جن» يقال: فلان جن، وجماعة جن، للفرد والجماعة بمعنى أنه أو أنهم أشرار، ومثله لفظ عفريت، وعفاريت.
وقد أخذه المصريون من صورة الجن في القرآن، واعتقاد العرب فيهم، وقول كل شاعر إن له شيطانا.
يقول أبو النجم العجلي:
إني وكل شاعر من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
ويزعم الفرزدق أن له شيطانا اسمه «عمرو»، ويزعم أعشى ميمون أن شيطانه اسمه «مسحل» وهو يقول في قصيدته:
دعوت خليلي مسحلا ودعوا له إلخ ...
ويروى لحسان بن ثابت:
ولي صاحب من بني الشيطان
فحينا أقول وحينا هوه
وأغلب المصريين وخصوصا الأطفال والنساء يزعمون أن الجن تظهر بالليل في صورة كلب أو قط، والأغلب في صورة قط أسود، ولذلك يتحاشون ضرب القطط والكلاب بالليل، وإذا صادف وجود قط غريب بالليل في بيت من البيوت، لم يشكوا في أنه جن، وراقبوا حركاته وسكناته، وفسروا كل حركة بتفسير، وإذا تقدم القط إلى الأكل من أحد الأطباق فلا يطرد وإن خطف اللحم؛ ويعتقدون أنه إذا ضربوه أذاهم.
وهم يزعمون أن الجن تفعل كثيرا مما يفعله الناس، فمثلا نسبوا إليها أنها بنت «تدمر» ويزعم القطامي أنها تغني.
ويزعمون أيضا أن للجن علاقة بالإنس، فقد يعشق الجني امرأة، وقد تعشق المرأة رجلا، والفقهاء في بعض كتبهم فرضوا صحة ذلك، وكنت أعرف رجلا شركسيا كثير الصمت، قليل الكلام، تبدو عليه كثرة التفكير، فكان يزعم أن جنية تعشقه، وأنها لذلك منعته من التزوج، وأنه يختلي بها كل ليلة، وقد قضى حتفه، رحمه الله، ساكنا متبتلا معتزلا الناس.
وذهبت العرب إلى أن الجن لا تأكل، ولكن المصريين يزعمون أنهم يأكلون ويشربون، ولذلك اعتاد بعضهم إذا توهم أن مرضه جاء من غضب الجن عليه، أن يذيب في الماء نوعا من السكر الأحمر، في إناء بعد صلاة العشاء ليلة الجمعة، ويأخذ المريض ذلك الإناء أو ينيب عنه من يصعد به إلى سطح البيت وهو ساكت لا يتكلم، ولا يلتفت وراءه وهو صاعد، ويقلب الإناء بما فيه على الأرض، ولا يذكر اسم الله وهو يريقه، ثم يترك الإناء وهو في مكانه، وينزل كما صعد ... يزعمون بذلك أن الجن تشربه، ويكررون هذا الأمر ثلاثة أسابيع على الأقل، فقد يرضى عنه الجن فيشفى.
ويزعم المصريون أن الجن قد تتعرض للإنسان إذا سار وحده بالليل، وقد يتشكل الجني بشكل حذاء قديم بال؛ وأن الإنسان إذا لقي الجني وضربه بالسلاح أو رماه برصاصة فأصابته، يصير نعلا قديما ولذلك يكثر استعمال النعال القديمة تعويذة أو حجابا يعلقونها على رأس الخيل أو الحمير أو الجمال؛ وكثيرا ما يعلقون حذاء قديما في رقبة الأطفال يزعمون أنه يمنع تأثير العين، ولا يصلح هذا النعل القديم لذلك إلا إذا وجد ملقى في الطريق ولا يعرف له صاحب، وأن يوجد أحد النعلين فقط.