فقد امتاز ابن دانيال بفن طريف وهو التمثيليات المسرحية، ومما يؤسف له أن مؤرخي الأدب العربي لم يعنوا بتأريخ هذا الفن مع أنه أصل من أصول الأدب، وكانت تمثيليات ابن دانيال تمثل على خيال الظل، وكانت تسلية للطبقات السفلى، ولكن لم يمنع هذا من عرضها على الكبراء، تنتقل إليهم ولا ينتقلون إليها فحكوا أن صلاح الدين كان يرى هذه التمثيليات ومعه وزيره القاضي الفاضل، وأن السلطان سليمان الأول كانت تمثل أمامه تمثيليات في خيال الظل، وكذلك الخديو توفيق.
وشاع أن خيال الظل كان سائدا منتشرا في أيام المماليك، وروى الشيء الكثير عنه ابن إياس، وقد أخذ السلطان سليم أحد الممثلين لتمتيع ابنه به وهو الذي صار بعد ذلك سلطانا وهو السلطان سليمان.
وقد وجد الباحثون بعض هذه التمثليات في بعض قرى النيل الصغيرة.
وكان ابن دانيال يؤلف تمثيلياته باللغة الفصيحة، ويميل إلى السجع، على نمط مقامات الحريري وهي مملوءة أيضا بالأشعار والزجل.
وقد أمضى بعض المستشرقين الألمان كالأستاذ جاكوب سنين طويلة في دراسة تمثيليات ابن دانيال، وقد عثر له على تمثيليات ثلاث: الأولى اسمها «طيف الخيال» وهي تصور الحالة السياسية والثقافية بمصر على عهد السلطان بيبرس، والثانية رواية «عجيب وغريب» وهي غير المعروفة بهذا الاسم في السوق، وهي تمثل سوقا كبيرة يدخل الممثلون فيها واحدا بعد واحد، يعرضون فيها بضائعهم، والثالثة اسمها «المتيم» وهي تصور عشق المتيم هذا لليتيم، وفيها تحريش الديوك بعضها على بعض للقتال، ونطاح الكباش والثيران، وعلى كل حال تشهد لابن دانيال بالفضل وسعة الخيال، والقدرة على الفكاهة.
وفي التمثيلية الأولى يعرض المؤلف لعصره وما فيه من المفاسد، وأمر السلطان بإزالة الفساد، فصور ذلك ابن دانيال بقتل الشيطان، وفي هذه التمثيلية أيضا إشارة إلى ما حدث في مصر من وصول الخليفة العباسي من بغداد وتنصيبه خليفة في مصر؛ إلى آخر ما هنالك من إشارات إلى حوادث حصلت في أيام الظاهر بيبرس، فابن دانيال يصور تصويرا دقيقا الحياة المصرية الشعبية في ذلك العصر، وهي ناحية أغفلها المؤرخون، وهو كما قلنا يعنى بالجمع، فيقول مثلا: «إن الغريب مرحوم، والمرء يسعى والرزق مقسوم، والمفلس يجمع الدنانير، والصدقة بالحبة هينة على ذوي الأقدار فاركبوا غوارب الإلحاح، (يخاطب الشحاذين) والبسوا دروع الوجه الوقاح، وتعاموا مبصرين، وتطارشوا سامعين، واركبوا على جلودكم الجلود المسلوخة؛ واشربوا نقيع التين، لتصبح وجوهكم مصفرة، وبطونكم منفوخة ... إلخ.»
ولكن مع استعماله للغة الفصيحة لا يتحرج أحيانا من ذكر كلمات شعبية، أما المتيم ففيها وصف للحب، وحيل المحبين، فيمثل شخصا هيجه الغرام، بكى في انتخاب، ويقول:
أهل الغرام تجمعوا
وتوسلوا وتضرعوا
موتوا تعيشوا في الهوى
وتمزقوا وتقطعوا
وخذوا حديث متيم
عمن سواه أو دعوا
صب سماء دموعه
من صبها لا تقلع
لم يبق إلا أضلع
من سقمه تتقعقع
وادي العقيق بجفنه
والدمع منه ينبع
ثم يقول: «أواه، أواه ... وا حباه ... وا قلبها ...! المتيم مسكين ... جرح من غير سكين ...
من أرسل ناظره ... أتعب خاطره ... والعاشق كل شيء يذكره ... لمعان البرق يؤرقه ... وإذا دنا الليل منه ... يهرب النوم عنه ... إلخ.» •••
وعلى كل حال وجد واضعون للروايات قبل ابن دانيال وبعده، وما أحقها بالتاريخ، فإنها تضيف بابا لطيفا إلى أبواب الأدب المعروفة (انظر ابن دانيال).
تملا بنوره:
تعبير يعني تمتع به وبمنظره.
تنبل:
يطلقونه على البليد الكسلان، والكلمة فارسية، وقالوا: تنبل، واشتقوا منها فعلا، فقالوا: تنبل الرجل؛ أي تبلد.
تنميل الرجل ورمش العين، وأكلان الكف:
هي حوادث طبيعية، ولكن العقل الخرافي يجعلها علامة لأشياء، فإذا رمشت العين اليمني دل ذلك على خير يحدث، وإذا رمشت العين اليسري، دلت على الشر، وإذا أحس الإنسان بأكلان في كفه اليمنى زعم أنه سيسلم على أحد، وإذا أكلته يده اليسرى، دل على أنه سيقبض فلوسا من أحد، وهكذا.