ابن أرملة:
هو كابن مرة الذي تقدم، يكنون به عن الشاب أو الرجل الذي لم يربه رجل كأبيه، وإنما ربته امرأة كأمه، ومن غريب العوائد أن المرأة في واحة سيوة إذا مات عنها زوجها حبسوها في غرفة مظلمة لا يراها أحد إلا خادمة تقدم لها الطعام وما تحتاج إليه حتى تنقضي عدتها، وهم يزعمون أن عينا شريرة تلبسها في أثناء تلك المدة فلا تنظر إلى أحد إلا أضرت به وأول ذلك ابنها الذي تربيه.
وأول شخص تراه عند خروجها من سجنها لا ينجو من الموت، ولذلك يرسلون المرأة إلى عين ماء آخر المدة تغتسل فيها، وفي أثناء اغتسالها ينادي مناد في الأسواق يحذر الناس من الوقوف في طريقها.
ابن البلد:
نالت هذه الكلمة شهرة كبيرة بين الناس، وكان لها مدلول يختلف باختلاف العصور، وقد أدركتها منذ خمسين عاما تطلق على الرجل الذي يجمع صفات مختلفة في ملبسه وحديثه وهيئته وطريق سلوكه.
فهو يلبس جبة وقفطانا وعمامة ويعنى بها كل العناية، ولا بد أن تكون هذه الملابس مستوفية لشروط كثيرة، فيجب أن يكون نسيجها خفيفا لطيفا، وأن يكون لون الجبة زاهيا كالأزرق الفيروزي أو الأخضر الفستقي أو الأحمر القرمزي، وأن يكون لون الجبة منسجما تمام الانسجام مع لون القفطان، وأن يكون لون الحزام منسجما معهما.
ويجب أن يكون طربوش العمامة خفيف الوزن، وأن تكون العمامة قليلة وأن يكون شال العمامة مفتلا، وأن تظهر هذه الفتل من الأمام على شكل دبابيس، ويجب أن يكون «المركوب» أحمر خفيف الجلد رقيق النعل صغير الوجه، ويلبس في يده خاتما رفيعا من الذهب فصه فيروز أو ياقوت أو زمرد، وأن يكون وجهه حليقا دائما كأنما خرج من عند الحلاق لساعته، وأن يكون مقصوص الأظفار دائما.
ويجب أن يعنى العناية التامة بكل شيء في هندامه، فالجبة والقفطان مهندستان هندسة تامة لا يشذ أحدهما عن الآخر في شيء مهما قل، والعمامة موضوعة على الرأس بأناقة والمركوب في الرجل منسجم.
وهو في كل ذلك نظيف أنيق يتحرج من أي شيء يعلق بثيابه أو بأطرافه، وأكثر من شاهدتهم من هذا القبيل كانوا ضعاف البنية نحيلي الجسم عليهم آثار المرض، وذلك لسببين: (1)
أن رقة عواطفهم ناشئة غالبا من ضعف مزاجهم. (2)
أن نوع معيشتهم لا يبعث على حركة ولا نشاط فيستلزم ذلك ضعفا في صحتهم، يضاف إلى ذلك أن كثيرا منهم كانوا يستعملون المعاجين و«حق» العنبر ونحو ذلك من المكيفات وفي هذا كله إتلاف للصحة.
وأما في سلوكه فهو خافض الصوت؛ إذا تكلم ففي أناة ورقة وإذا ضحك فعلى قانون، وإذا مشى ففي تؤدة تامة حتى لا تختل هندسة ملابسه، وإذا رأى أمامه أرضا مرشوشة عمل لها ألف حساب كيف يتخطاها من غير أن ينال «مركوبه» أذى، ومن غير أن ينال أذياله مكروه، وإذا أكل فالأناقة التامة من تصغير اللقمة والدقة في نظافة أصابعه، والمراعاة الدقيقة حتى لا ينال ثوبه شيء مما يأكل ونحو ذلك.
ولابن البلد اصطلاحات في كلامه ولوازم يكثر من استعمالها، فهو بين كل كلمة وكلمة يقول: «بلا مؤاخذة» و«بلا قافية» و«يكرم من سمع» و«عن إذنك» و«اسمح لي» و«الأبعد» و«يا سيد» و«أعزك الله» و«أكرمك الله»، ونحو ذلك من الكلمات الشائعة بينهم، الدائرة على ألسنتهم.
وابن البلد - في العادة - يكثر من التنكيت، ويستعمل في حديثه الكناية والتورية ويعرف مناحي الكلام، ويستطيع أن يرد على النكتة بمثلها أو بأحسن منها، ويجتهد أن يرضي محدثه كل الرضا، فلا يجرح إحساسه ولا يخدش عواطفه ولا يسمعه كلمة قاسية، وإذا رأى الحق يؤلم فلا بأس من الكذب، ويتحرى أن يجعل آخر الحديث نكتة ختامية تثير الضحك وتبعث الرضا فيمتلئ المكان بالسرور، ويتفرق الجالسون أو المتحدثون وفي نفوسهم الإعجاب «بابن البلد».
وقد يسمى «ابن البلد» أيضا «الذوق» فيقولون فلان ذوق، وهو اختصار لذي ذوق وأحيانا يسمونه ابن ذوق، والفرق بين «ابن الذوق» و«ابن البلد» أن الأول يراعى فيه حسن التصرف أكثر مما يراعى حسن الشكل وما إلى ذلك، أما ابن البلد فيراعى فيه الأمران جميعا.