وقد عرف المرحوم قاسم أمين الذوق السليم بأنه الشعاع اللطيف الذي يهدي صاحبه إلى أن يقول ويفعل ما يناسب المقام ويجتنب ما لا يناسبه، وعامة المصريين يعتقدون أن القاهرة أحسن البلاد ذوقا، فكما أنها «أم الدنيا» فكذلك هي «أم الذوق».
ومن أقوالهم المأثورة: «الذوق لم يخرج من مصر» ومصر في قولهم هذا يعنون بها القاهرة لا القطر المصري بأجمعه، ويروون في هذا قصة طريفة وهي أن رجلا كان اسمه «حسن الذوق» كان في منتهى الظرف والكياسة واللباقة رقيق الحس والشعور فغاضبه قوم من المصريين فعزم على الرحلة من مصر، فلما وصل إلى «باب الفتوح» وهو أحد أبواب القاهرة مات هناك، وما يزال قبره في هذا المكان إلى الآن، ويعرف ضريحه «بسيدي الذوق»، ومن أجل هذا قالوا: إن الذوق لم يخرج من مصر، وكلمة الذوق في هذا المثل تدل على المعنيين معا، فالمراد بها مرة الشعور الرقيق ومرة سيدي حسن الذوق والله أعلم.
ابن حظ:
يقال للرجل الذي يطلب حظه وشهوته من سكر ونساء ونحو ذلك، ويظهر أن «ابن» هنا بمعنى ذو، ومثله «ابن ناس» ويطلق على النسيب الحسيب، ومثله أيضا ابن حرام وابن حلال فيقال للرجل الطيب: ابن حلال، وللخبيث الماكر: ابن حرام.
ابن دانيال:
وإنما اخترناه من الأعلام؛ لأن له شخصية مصرية واضحة كالبهاء زهير.
كان يفتح دكانا داخل باب الفتوح، يكحل فيه عيون الناس، ويدر ذلك عليه مالا قليلا، شكا كثيرا من قلته وبؤسه.
وفي ذلك يقول:
يا سائلي عن حرفتي في الورى
وصنعتي فيهم وإفلاسي
ما حال من درهم إنفاقه
يأخذه من أعين الناس •••
ويظهر أنه كان يتعاطى المنزول، فله قصيدة رفعها إلى القاضي يشكو زوجته:
بك أشكو زوجة صيرتني
غائبا بين سائر الحضار
غيبتني عني بما أطعمتني
فأنا الدهر مفكر في انتظاري
غبت حتى لو أنهم صفعوني
قلت كفوا بالله عن صفع جاري
دار رأسي عن باب داري فبالله
أخبروني يا سادتي أين داري
أنا أنسى أني نسيت فلا يخش
سميري إذاعة الأسرار
وكان له نكت يتداولها المصريون ويتضاحكون منها شعرا ونثرا، من ذلك قوله:
فسر لي عابر مناما
أحسن في قوله وأجمل
وقال لا بد من طلوع
فكان ذلك الطلوع دمل
والمصريون يسمون الدمل والخراج طلوعا وربما عددته أول روائي مصري، فقد كان يؤلف الروايات تمثل في خيال الظل وبقي بعضها إلى اليوم.
ابن رابية أو أولاد رابية:
كانوا أسرة معروفة في القاهرة، وكانوا يدعون في الأفراح وتكون من لياليها ليلة يقال لها: ليلة أولاد رابية، وكان عملهم إرهاصا للتياترو والتمثيل، فكانوا في ليلة يمثلون رواية من الروايات، ولكن مع الأسف كان تمثيلهم مبتذلا، فهم ينطقون بأقبح الألفاظ ويأتون بأفحش الأعمال ويشمئز من منظرهم وكلامهم ذو الذوق السليم، وقد انقرض هؤلاء وحل محلهم السينما والتمثيل، ومثلهم في ذلك أحمد الفار المشهور، فكان أيضا يأتي بأعمالهم.
ابن كباية:
الكباية الكوب التي تشرب فيها الخمرة، وكثيرا ما يقال هذا القول للتفاخر فيقول الرجل: أنا ابن كباية وكثيرا ما يدلون به على شدة الصداقة فيقولون: نحن أولاد كباية، أما ابن الحشيش والمعجون ونحو ذلك فيقال: ابن كيف، وهو لذلك يتظاهر بالرقة واللطف.
وسواء ابن الكيف أو ابن الكباية فهما يكرهان أن يجلس معهما أحد على غير كيفهم، ولذلك يتنادر أهل المجلس سواء في السكر أو في الحشيش على من لم يجارهم فمثلا يقولون لبعضهم تنكيتا على من لم يفعل فعلهم، وفي أثناء الكلام ينظرون إليه «شال الحمام، حط الحمام» تعريضا له بالخروج، ويقولون: «قالوا للجندي عزل رمى قاووقه» أو «دهده يا سيدي هي لازقة بغرا» أو «دستور يا سيادي.»
ابن نكتة:
أصل النكتة في اللغة العربية النقطة من بياض في سواد أو من سواد في بياض تقول هو كالنقطة البيضاء في الثوب الأسود، ثم استعملت على طريق المجاز فيما جاء في وسط الكلام من عبارة منقحة أو جملة طريفة صدرت عن دقة نظر ولمعان فكر، أو مسألة لطيفة تؤثر في النفس انبساطا، يقولون: جاء بنكتة في كلامه، وقد نكت في قوله، ورجل منكت، ونكات بهذا المعنى، ثم استعملت في النوادر الظريفة تستثير الضحك وتبعث السرور، وفي هذا المعنى الأخير يستعملها المصريون فيقولون للرجل الذي يأتي بالنوادر المضحكة «ابن نكتة».