تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويغلب على أهل الوقار والرزانة والمتقدمين في السن والطبقة الأرستقراطية أو من يحذو حذوهم لبس البدل السوداء أو القريبة من السواد؛ لأنها تبعث الوقار والهيبة، فهي في ذلك أشبه بلباس الحزن بجامع الرزانة أو الوقار في كل.

والعرب خاصة والشرقيون عامة - مع تشاؤمهم بالأسود ولبسهم السواد في الحزن - يعجبون بسواد العيون وسواد الشعر، وإن كان منهم من يميل إلى العيون الزرق أو الخضر والشعر الأشقر، ولكن الغالب حب السواد فيهما، وهذا طبيعي ومعقول؛ لأن لون بشرتهم يغلب عليه السمرة والأنسب للسمرة سواد العين وسواد الشعر حتى يكون هناك انسجام في الألوان يرتاح إليه النظر، ولذلك كان بغيضا عند أهل الذوق من المصريين أن يروا فتاة سمراء قد صفرت شعرها بالأوكسجين.

والمصريون يقولون: «قلبه أسود» كناية عن أن قلبه مملوء بالحقد والحسد، وفي عكسه يقولون: «قلبه أبيض»؛ أي صريح لا غش فيه، والعرب تستعمل في مكان «أسود القلب» أسود الكبد، قال الشاعر:

فما جشمت من إتيان قوم

هم الأعداء فالأكباد سود

وتقول العرب: سويداء القلب؛ أي حبته، ويقولون: «رميته فأصبت سواد قلبه»؛ أي القلب نفسه وكثيرا ما يصغرون سوداء فيقولون: سويداء، ويقولون: أصابه في سويدائه.

وكان أهل المدينة يطلقون على الحرة (وهي المكان الذي علا سطحه حجارة سوداء كأنها شيطت بالنار) وعلى الليل الأسودين، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «لقد رأيتنا مع رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ما لنا طعام إلا الأسودان» وقد فسره بعضهم بالتمر والماء، ولكن التفسير الصحيح أنهما الحرة والليل؛ لأنها أرادت أن تبالغ في شدة الحال وأن ليس معها إلا الحرة والليل.

والعرب أيضا تسمي شخص كل شيء سوادا، فسواد الإنسان متاعه، والسواد الأعظم العدد الكثير من الناس، وقال بعضهم: «إنما السؤود في السواد»؛ أي إن السيادة الحقة أن يكون الشخص سيدا عند عامة الناس لا عند خاصتهم؛ لأن الخاصة عدد قليل والسيادة فيهم محدودة المدى بخلاف السيادة على العامة.

والمصريون يكنون عن الإنسان أحيانا بأسود الشعر، ومن الأمثال في ذلك «أسود الرأس ما تأمن له»؛ أي لا تأمن شر الإنسان، وفي أمثالهم أيضا وهو يوضح المثال السابق «ربي أسود الرأس يقلعك» و«ربي أزون المال ينفعك»، والمراد بأزون المال أقل حيوان كالكلب والقط؛ أي إن إسداء الخير للإنسان يعود بالوبال على من أحسن إليه، وخير من ذلك الإحسان إلى أحقر الحيوان.

ولون الخضرة محبوب عند المصريين يتفاءلون به؛ لأن أكثر لون المزروعات الخضرة، والزرع عماد حياتهم، ولذلك قد يسمون اللون الأزرق أحيانا أخضر، ويطلقون الأخضر على كل شيء رطب ندي، فيسمون الثوب المبلول الذي لم يجف أخضر، والأرض إذا كانت مرشوشة خضراء، ويظهر لي أن هذا الاستعمال الأخير تحريف عن الأخضل باللام لا بالراء، فالعرب تقول خضل الشيء؛ أي ندي، والشيء أخضل؛ أي ندي مبتل، ومنه قولهم: «عيش خضل»؛ أي طيب ناعم، وشباب خضل؛ أي ناعم مترف، ومنه قول الطويراني في لاميته:

نعم الألى علمونا من مكارمهم

غر الخصال وصانونا عن الخطل

سرنا على إثرهم في كل ناحية

سير النسيم على ذي نضر خضل

فجاء العامة وحرفوا اللام راء وسموا الشيء الرطب أخضر بدل أخضل، وقد يجوز أن يكون هذا الوصف من الخضرة أيضا؛ لأن العرب استعملت الخضرة وصفا للغض الناعم.

ومما يدل على تفاؤل المصريين بالخضرة قولهم: «ربنا يجعل قدمك علينا صلق أخضر»؛ لأن الصلق لطيف الخضرة، فهم يتمنون أن يكون قدمه أو أثره أخضر حسن العاقبة.

ولعل هذا كان من الأسباب في اختيار العلم المصري أخضر؛ لأنه من جهة يدل على أن الأرض المصرية زراعية عمادها الاقتصادي الزراعة، ومن جهة أخرى يدل على التفاؤل بهذا اللون الجميل.

والعرب كالمصريين لم يستعملوا الألوان بدقة، فخلطوا بين الأسود والأزرق والأخضر فسموا مثلا السماء خضراء مع أنها زرقاء.

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصريةص ٣٣