تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحديث «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر»، فالخضراء السماء، والغبراء الأرض، وسموا سمرة الجلد خضرة، فقال شاعرهم:

أخضر الجلدة في بيت العرب

وسموا الكتيبة خضراء إذا كان رجالها يلبسون الدروع السوداء، وفي الحديث «إن الحارث بن الحكم تزوج امرأة فرآها خضراء» فطلقها؛ أي سوداء، وقالوا في عكس ذلك «سواد العراق» وهو أرضه الخصبة التي تكثر فيها الأشجار الخضراء والزروع الخضراء، وهكذا خلطوا بين الأسود والأخضر والأزرق.

والمصريون يعبرون عن اللون إذا اشتد بأنه غامق وإذا خف بأنه فاتح فيقولون: أسود غامق وأحمر غامق وأحمر فاتح وأخضر غامق وأخضر فاتح، وهم يرتبون الأزرق رتبا فإذا كان زاهيا قالوا: أزرق صيني، ولعله تشبيه بألوان الأطباق والفناجين؛ لأنها تسمى كلها «صيني»، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «صافي» كلون الجلاليب التي يلبسها العامة، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «سماوي»؛ أي كلون السماء، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: «لبني»؛ أي كلون اللبن؛ لأن في لونه زرقة خفيفة.

وأحيانا يقولون: «أحمر إنجليزي» إذا كان شديد الحمرة كلون لباسهم الذي كانوا يلبسون من أعوام، فإنه كان شديد الحمرة، ويقولون أخضر غامق، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: أخضر زرعي؛ أي كلون الزرع، فإذا كان أفتح من ذلك قالوا: أخضر فستقي؛ أي كلون الفستق.

وقد اتخذ العباسيون السواد شعار الدولة الرسمي ولذلك غلا في أيامهم سعر الثياب السود، وكان شعار الثوار البياض فيقولون: «إن جماعة خرجوا عليهم وبيضوا» واشتهر على لسانهم اللون الأصفر، وقالوا في ذلك كثيرا، وقد شرحنا هذا في كتابنا فيض الخاطر، والله أعلم.

أما غريبة:

تستعمل أما هنا بمعنى هذه أو تلك وكذلك تأكيد الغرابة، وتستعمل أما بهذه المعاني في مواضع كثيرة، فيقولون: أما حاجة كويسة، وأما حاجة وحشة، وهكذا.

الأمثال:

الأمثال نوع من أنواع الأدب، يمتاز بإيجاز اللفظ وحسن المعنى ولطف التشبيه وجودة الكناية، ولا تكاد تخلو منها أمة من الأمم، ومزية الأمثال أنها تنبع من كل طبقات الشعب، وليست في ذلك كالشعر والنثر الفني إنهما لا ينبعان إلا من الطبقة الأرستقراطية في الأدب، فالعجائز في البيوت تؤلف الأمثال وطبقة الفلاحين ينبع منها أمثال وكذلك طبقات الصناع والتجار وغيرهم.

وأمثال كل أمة مصدر هام جدا للمؤرخ والأخلاقي والاجتماعي يستطيعون منها أن يعرفوا كثيرا من أخلاق الأمة وعاداتها وعقليتها ونظرتها إلى الحياة؛ لأن الأمثال عادة وليدة البيئة التي نشأت عنها، فالعربي البدوي في الصحراء نجد أمثاله مشتقة من عيشته من جمال وخيام وأرض وجدب وخصب ومطر ونحو ذلك، والذين يسكنون السواحل يشتقون أمثالهم من البحر والسفن والصيد والسمك ونحو ذلك.

كما نستطيع أن نفهم من الأمثال مبلغ إدراك الأمة للأشياء، وما تثيره في أنفسهم من معان، ومبلغ ذوقهم في التشبيه واقتدارهم على انتزاع وجوه الشبه بين المشبه والمشبه به.

كما أنها تدل على ما يستحسنه الشعب وما يستقبحه أو على الأقل ما تستحسنه الطبقة التي نبع منها المثال وما تستقبحه، فيستطيع الباحث في أمثال أمه أن يعرف ما الذي تكرهه وما الذي تحبه، وما الذي تكبره وما الذي تحتقره، كما يستطيع أن يعرف منها مقدار تقديرها للأخلاق من كرم وبخل واقتصاد وإسراف وخيانة وأمانة وغدر ووفاء وحرية وعبودية.

كما يستطيع أن يعرف منها مقدار تدينها وعدم تدينها، وما هي الروابط التي بين الشخص وبين أسرته وبينه وبين أصدقائه وبينه وبين أمته إلخ ...

فإذا جمعنا - مثلا - الأمثال المصرية التي قيلت في المرأة أمكننا أن نعرف منها نظرتهم إلى المرأة، وإذا جمعنا الأمثال المالية أمكنا أن نعرف منها نظرتهم الاقتصادية وهكذا.

ولكن يعترض الباحث في الأمثال صعوبات كثيرة منها: أن الأمثال لا يعرف قائلها حتى تستطيع أن تعرف من أي وسط نبعت، هل قالها ريفي أو حضري، وهل قالها سوقي أو أرستقراطي؟ والناس - عادة - يهتمون بقائل الشعر، فكثير من الشعر يمكننا معرفة قائله، أما المثل فلا؛ فقد تقوله عجوز في بيتها أو فلاحة في حقلها، أو صانع في مصنعة، ثم يسير القول في الناس من غير اهتمام بقائله، كما أنه يصعب تحديد تاريخ المثل في أي عصر قيل، وقد يكون هذا هاما جدا لأنا كثيرا ما نجد أمثالا متضاربة فهم يقولون - مثلا - «القرش الأبيض ينفعك في اليوم الأسود» ويقولون: «اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب» فهذان مثلان متناقضان ينصح أولهما بالتدبير والثاني بالتبذير، فهل نبعا من وسطين مختلفين، أو قيلا في وقتين أو حالتين مختلفين، ومثل قولهم: «ابن الوز عوام»، وقولهم: «باب النجار مخلع»، فبين هذين المثلين شبه تناقض.

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصريةص ٣٤