تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد شاهدنا في عصرنا تحول الأسرة من سيطرة الأب إلى سيطرة الأم ومن استبداد الرجل إلى استبداد المرأة، وشاهدنا في عصرنا أيضا أن حجاب المرأة يتحول إلى سفورها، وجهلها إلى تعلمها، وتفريطها في حقوقها إلى الغلو في طلبها، حتى لتريد أن تشارك في السياسة فتنتخب وتنتخب، وشاهدنا مزاحمتها للرجل في العمل والتوظف، وشاهدنا كثيرا من البيوت يكون فيها الزوج موظفا والزوجة موظفة ويسلمان أولادهما للمربيات.

ولما فشا تعليم المرأة قل الاعتقاد بالخرافات والأوهام، ولما سفرت المرأة عرفت كثيرا من أحوال الرجال، وشاركت في إدارة الأموال وزاد حظها في كل شأن من شئون الحياة، ومع ذلك بقيت الأسرة قديما وحديثا خير مرب للأطفال، ولم يوجد ما يستعاض به عن الأسرة.

وقد كان في القديم تتعارف الأسرة وترتبط برباط متين خصوصا من كان منها في حارة واحدة أو شارع واحد، ولكن لما غزتنا المدنية الحديثة قل اختلاط الأسر فكثيرا ما ترى أسرة في شقة من عمارة لا تعرف شيئا عمن يسكن بجوارها، تقليدا للإفرنج في معيشتهم، ومن أجل هذا أيضا كان من أكبر مظاهر الأسر في الزمن القديم الاشتراك العام في المأتم والأفراح، ومساعدة الأسرة البائسة، وعيادة المريض إذا مرض في الحارة، والمشي في جنازته، وسؤال كل فرد في الحارة عمن يساكنه فزال كل ذلك بحكم اعتزال الأسرة.

والأسرة المصرية كثيرة العطف على أفرادها، وهي تصغي إلى العاطفة أكثر مما تصغي إلى العقل، ومن مظاهر ذلك كثرة الاتصال بموتاها في زيارتهم في كل موسم والطلوع عليهم بالخوص والفاكهة والفطير وقراءة القرآن الكريم والترحم عليهم وغير ذلك، ثم مساعدة الأولاد مهما كبروا واستطاعوا أن يقفوا على أرجلهم، ثم الخوف الشديد من سفرهم والبعد عنهم ولو إلى مسافة قصيرة.

ومن هذه العلاقات احتفالات كبيرة بمظاهر الزواج والمأتم حتى تقع الأسرة من جراء ذلك في فقر شديد، وقد تضطر الأسرة إزاء عطفها الشديد إلى ارتكاب ما يضره فأعرف أسرة لم ترض أن ترسل أولادها إلى المدارس خوفا عليهم، وأعرف أفرادا من أسرة أخرى فسدوا لكثرة ما يمدهم به آباؤهم وأمهاتهم من الأموال كلما طلبوا ... وهكذا، حتى إذا انفصل الولد أو البنت وكونا لأنفسهما بيوتا خاصة ظل الاتصال شديدا بينهما وبين الأسرة، ولا بد من أن يرسلوا إليهم كعكا في العيد الصغير، ولحما في العيد الكبير، وهدايا متتالية، وهذا عكس ما نشاهده في الأسر الأوروبية، أعرف أسرة أمريكية مات واحدها في الحرب فنشرت عنه الجرائد، فلما ذهب بعض الأصدقاء للعزاء شكوا في أن يكونوا هم المقصودين لأنهم لم يشاهدوا عليهم أثرا من آثار الحزن، ونعم إنهم يحزنون ولكن في حدود ضيقة ويحزنون في أنفسهم ويبشون للناس.

وتجد كثيرا من الأغنياء في أوروبا وأمهاتهم أو آباؤهم في أشد حالات البؤس، وقل أن ينفق إنجليزي أو أمريكي على ابنه في التعليم الجامعي، ولكنه إذا أراد الولد عمل بنفسه ليتكسب ويصرف على نفسه كأن يشتغل صبي لبان أو بائع جرائد أو موزع بريد في جامعة أو كناسا للجامعة أو طباخا، ثم من مظاهر الأسرة المصرية أيضا الاتصال والاعتزاز بالأقارب حتى الأبعدين، فها ابن ابن عمه، وهذه بنت بنت خالته، وهكذا حتى ليبلغ ببعضهم الاعتزاز بحارته أو قريته.

والأسرة المصرية كما يدل عليها ماضيها وحاضرها سائرة إلى السفور وإلى توحد الزوجات وإلى التعلم وإلى السلطة النسائية، وإلى مشاركة المرأة في الأعمال التجارية والسياسية وإلى التزوج من غير أقاربها وإلى تحديد النسل وعدم الإكثار منه، وإلى ضياع الفروق الكبيرة بين الرجل والمرأة في الترام والقطارات ونحو ذلك، وإلى ضيق نطاق الأسرة والاهتمام فقط بالأزواج والبنين والبنات وإلى الاستقلال المالي.

وأخشى أن يرجع الأمر إلى ما قاله هيرودوت عن المصريين «إن النساء يعملن في الأسواق والرجال يعملون في البيوت.»

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصريةص ٢٣