المعجون:
المعجون والمنزول بمعنى واحد، وهو منتشر بين الطبقات وخصوصا طبقة الفقير. وهو مما يضرها ضررا بليغا، والقصد الأكبر منه تخدير الأعصاب عند الاتصال الجنسي، وهو مزيج من بعض العقاقير يضاف إليه بعض من الحشيش، ويعجن جيدا؛ ولذلك يسمى المعجون.
ويسمون الرجل الذي يبيعه «تحفجي» ويسمى المعجون نفسه «تحفة »، وكم له من ضحايا كثيرة بسبب الحشيش الداخل فيه، وسبب تهييج ما يضاف إليه من بهارات للأعصاب. وقد يضيفون إليه شيئا من العنبر لتحسين رائحته ولتنشيط الدورة الدموية.
وأعرف شابا من أولاد الأغنياء كان ذكيا مؤدبا في سن الثلاثين، ورث أموالا طائلة، وكان متزوجا، فلما حصل على هذا الإرث احتاط به جمع من الشباب الفاسد، فتزوج بأخرى. وبعد أسابيع قليلة تزوج بثالثة، ثم برابعة، وسقط في هذه العادة الرديئة ويجمع هؤلاء الأربع كل ليلة ويتلاعبون ويرقصون ويغنون ويفعلون الأفاعيل الشائنة؛ لأنه في حالة الذهول. وأخيرا ضعف عقله، وانحطت قوته، حتى صار لا يقوى على المشي، وإذا تحرك للضرورة أسندوه إلى أن يعود إلى فراشه، ولا يقوى على وضع اللقمة في فمه، واستمر على هذه العادة الرديئة حتى مات.
وكنا في مجلس فأتت هذه السيرة فقال الآخر: كنت أعرف رجلا أفغانيا ادعى أنه يستحضر الجان، وكان يتاجر في بعض السلع فاشترى حمارا ووضع عليه خرجا، وكان ينتقل في الأرياف حتى وصل أمره إلى المنصورة ونزل ضيفا على رجل وادعى أنه يستحضر الجان. كان المضيف مضطرا إلى مباشرة أطيانه، فكان يتركه في البيت ويذهب إلى عمله، وهو يدعي أنه يستحضر الجان، فاتصل بنسائه، وما زال على ذلك الحال وهو يتعاطى المنزول إلى أن صار لا يفيق منه، فوقع في إغماء شديد واضطر من معه لإحضار الطبيب، فلما أفاق هرب.
وقال آخر: كنت أعرف شابا متعلما من ذوي الشهادات العالية، ثم وظف في الحكومة، وورث عن أبيه بعض المال، وانهمك في المعجون حتى كان يسكن في ماخور من المواخير، واختلط عقله أخيرا، فكان يتكلم كلاما رفيعا، ولكن سرعان ما ينتقل من موضوع إلى موضوع ثم يطيل الصمت ثم يرفع رأسه ويلتفت يمينا وشمالا ويقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وكثيرا ما كانت تنهمر الدموع من عينيه إذا أفاق.
وقال ثالث: كنت أعرف رجلا تجاوز الخامسة والثلاثين، كاتب حسابات في إحدى المديريات، وكان أديبا لطيفا، لا يأخذ عليه من جالسه أقل شيء ثم وقع في المعجون فأصيب في عقله، فكان إذا رأى من بعيد مطربشا هرب منه خوفا من أن يعرفه.
وقال رابع: جاء رجل كردي إلى مصر وأقام بها وتزوج، ثم ماتت زوجته فورث بعض الشيء من قريب له، ثم وقع في هذا المعجون، وأخيرا أشعل النار في نفسه ... وهكذا، من ضحايا ...
وهم يسمون المعجون أحيانا «لسان العصفور» و«البلبل» و«حلاوة سمسمية» و«خلطة عنبرية» و«حجر الذخيرة» ... إلخ. وهو منتشر في مصر انتشار الحشيش لأنه نوع منه؛ حتى اضطرت الحكومة أخيرا إلى تشديد العقوبة عليه.
المعددة:
هي امرأة تدعى للغناء بنغمة حزينة في مجتمع النساء من المآتم. وهي تستفسر أولا عن الميت ومن هو، وعلى أي حال كان، وما فضائله ومزاياه. وتصوغ من كل ذلك كلاما في تعديدها يثير كوامن النفوس، ولها لسان فصيح وقدرة تامة على الإبكاء، وبعضهن يصحبن معهن الدف، فيثرن بذلك دوافع اللطم على الوجه، خصوصا في الأوساط الدنيا. وبعضهم يستعملن في هذا أيضا النيلة يصبغن بها وجوههن، ولها طرائق في التعديد، فتشعب حديثها إلى نواح كثيرة، مرة على الغرقى ومرة على الحرقى ومرة على القتلى، ومرة على الموتى بأنواع مختلفة، وفي كل مرة تثير شجون بعض من يمسهن كلامها. وهن في الفصاحة يشبهن الأدباتية في فصاحتهم، ويقابلهن في ذلك العوالم في الأفراح يثرن السرور، ولكل نغمات. ويشجع العوالم الرقص والضرب على الدربكة، ويشجع المعددات اللطم والضرب بالدف والنيلة، وقد قلت هذه العادة حتى كادت تفنى.