وكثير من الذوات وأولادهم يفضلون التصييف في أوروبا، كسويسرا وشمال إيطاليا وهناك ينفقون النفقات الطائلة، حتى عرف المصريون هناك بالسرف في الترف والشهوة، وعدم المبالاة بالمال، واللعب على مائدة القمار؛ ومن أجل ذلك لا تعجبهم المصايف المصرية ولا الشرقية؛ لأنها أقل حظا من الملاهي وأدعى إلى التحرر من القيود التي تتطلبها معرفة الشخص.
المصحف:
كثير من الناس يتبركون بحمل مصحف صغير الحجم على صدورهم، وقد يوضع في علبة صغيرة ذهبية، ويعلق في سلسلة ذهبية أيضا. وكثير يضعونه تحت رءوسهم إذا ناموا ليمنع عنهم الأذى.
وقد بالغوا في العناية بخطه وتحليته بالذهب وما إلى ذلك، واختيار الورق الذي يطبع عليه، وإليه ينسبون عدم الأذى والضرر، فإذا هب حريق في البيت فأطفئ، أو فشل سارق في سرقة شيء؛ نسب ذلك كله إلى وجود المصحف في البيت، وقد لا يكون الرجل متدينا فلا يؤدي الصلاة ولا الصوم، ومع ذلك يحرص كل الحرص على اقتناء المصحف. وهو كثير الانتشار بين المسلمين، يعتقدون فيه الاعتقادات الكثيرة هو والبخاري، ومن حين للآخر تطبع دار الكتب مائة ألف نسخة مثلا أو أكثر فلا تلبث أن تذهب. وهم يحافظون على خط المصحف، وهو الخط العثماني، نسبة إلى عثمان بن عفان، فيكتبون الصلاة والزكاة بالواو، ورحمة الله بالتاء المفتوحة أحيانا والمربوطة أحيانا؛ ومن أجل ذلك لا يحسن قراءته إلا من كان يحفظه من قبل، وقد اشتهر الأتراك بحسن الخط في المصحف، وإذا أراد بعض المصريين تأكيد القسم أحضروا المصحف واستحلفوا الذي يراد تحليفه بقوله: وحياتك يا دي المصحف، أو وحياة المصحف ده واللا أعدم عيني ... وهكذا.
وشغف بعض الفنانين بجمع المصاحف الخطية المطبوعة، وأعرف منهم من أنفق كل ثروته في ذلك، كالآخرين الذين ينفقون أموالهم في جمع السجاجيد العجمية.
المصرية:
للشخصية المصرية خصائص ظاهرة بسبب أنها تداول عليها أمم كثيرة من يونان ورومان وفرس وعرب ومماليك وشراكسة وأتراك وفرنسيس وإنجليز وطليان ومع ذلك هضمتهم أكثر مما هضموها.
نعم قد أخذوا بعض عوائد وكلمات واستعمالات، ولكن ما أثرت هي فيهم أكثر، وربما كان أقل الأمم تأثرا الإنجليز؛ لأنهم أبوا أن يندمجوا في المصريين وترفعوا عن مخالطتهم والزواج منهم، إلا في القليل النادر.
وكما أن لرجولتهم سحنة خاصة، ربما كان من أصعب الأشياء وصفها، فهي شخصية ذكية فنية، تدرك الجمال وتتذوقه، ذات عواطف حادة يؤثر فيها الكلام الناعم، شهوانية تستعين كثيرا بالعقاقير التي تثير الشهوة، وتكثر من الكلام في وسائلها، تحب الأرض وتحب الالتصاق بها، وتكره السفر من بلد إلى آخر، صبورة على تحمل المشاق، حتى كاد صبرها أن ينقلب رذيلة، فهي قل أن تثور لظلم يلحقها ولا لكارثة تنزل بها ففعلت بها الأمم المحتلة الأفاعيل الشنيعة، ومع ذلك تحملت وارتقبت الفرج، ولكن مع صبرها وحملها، إذا ثارت حطمت كل ما أمامها من دون إدراك للعواقب، وقبل أن تثور تفرج عن نفسها بنكتة لاذعة أو أغنية لامعة أو مثل تستعمله، يغلب عليها الكرم أكثر مما تغلب عليهم الشجاعة، وهم سريعو النسيان للحوادث، فمن عاملهم معاملة سيئة ثم أعقب ذلك بحسنة نسوا السيئات بجانب الحسنة، كالحاكم التركي قد يغلو في الظلم ثم يتبع ذلك ببناء مسجد أو حجة يحجها أو سبيل ينشئه أو مصحف يحمله أو نحو ذلك فيغتفرون له إساءته. يغلب عليهم السرور حتى كان من الغريب أن أكثر الناس شقاء أكثرهم مرحا وغناء، كأن الطبيعة تعوضهم بذلك عن بؤسهم، وهم كثيرا ما يخدعون بالمظاهر، ويميلون إلى الكسل حتى لتجد الرجل ليس عنده قوت يومه ثم لا يتحرك لكسب الرزق، وإذا كسب مالا انقطع لينفقه في سخاء، ولم يحسب حساب المستقبل، وقال: اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب. يتجلى ذلك كله في الأمثال الدائرة على ألسنتهم، والأقوال الشائعة التي ينطق بها عجائزهم، كما يتجلى ذلك بمقارنتهم بغيرهم من الأمم.