محمد علي باشا:
نذكره أيضا؛ لأنه بدء مرحلة في تاريخ مصر؛ فقد غير النظم التي كانت تأسست في العهد العثماني وغير نظامها وحكومتها، فغير تقسيمات القطر المصري وبدل بها تقسيمات إدارية أخرى، تكفل للسلطة حصر الموارد، وقسمها إلى سبع مديريات، كل مديرية عليها مدير؛ اثنتان في الوجه البحري، وواحدة في القاهرة، وأربع في الصعيد، وقسم كل مديرية إلى مراكز، وكل مركز يرأسه مأمور، والمركز يشمل جملة قرى، وكل قرية يرأسها العمدة وشيخ البلد، وشيخ البلد هو المكلف بتحصيل الضرائب وأموال الجباية.
ونظم البوليس والشرطة، واهتم كثيرا بالجيش وتقويته؛ وعلى أساس هذا الجيش أسست المدارس وأوفدت البعثات وعلمت الحرف المختلفة ثم غير النظام المالي للبلد، فكانت أكثر الأطيان في ملكه، وكلف الملتزمين أن يثبتوا ملكيتهم، فلما لم يفعلوا جردهم عنها ووضع لهم مقدارا من المال محددا يتقاضونه كل سنة، أو كل شهر، واستعان بالمصريين في أعماله، بعد أن كان لا يتولاها إلا الأتراك. وهذه الطريقة في الملكية لقيت تحبيذا وانتقادا، وأكثر التحبيذ كان من جانب الفرنسيين؛ لأنهم كانوا أنصاره، وأظهر النقاد كانوا من الإنجليز؛ لأنهم كانوا يكرهون تقرب الفرنسيين وحظوتهم؛ يمثل ذلك ما كتبه كلوت بك الطبيب الفرنسي عن محمد علي، فكل كتابه مديح، و«لين» الإنجليزي، فكتابته مسممة بالنقد، فقد قال: إن كثيرا من أعماله قابلة للنقد.
وأيا ما كان فلا يختلف اثنان في أنه أخرج مصر من الحكم العثماني وجعلها مستقلة بذاتها، وهذا الاستقلال ألزمها الاعتماد على نفسها في المصانع والجيش والإدارة، ثم نقلها نقلة جديدة لما جره هذا النظام من تغيير في العادات المصرية والتقاليد، ثم أفادها باعتزازه بالنفس لما كسرت الجيش العثماني.
وقد أخذ عليه الشيخ محمد عبده في مقال له أنه أفقد المصريين شجاعتهم. ولا يزال تقديره التام وتقدير أعماله في ذمة التاريخ، كالعين إذا قربت من المبنى الضخم لم تستطع تقويمه. وقد كان الجبرتي المؤرخ رحمه الله جريئا إذ نقده في كتابه في بعض تصرفاته. ولكن والحق يقال إن نظرات الجبرتي كانت جزئية، ولم يستطع النظرة الكلية والتقدير الشامل. وعلى كل حال فقد كان صفحة جديدة في تاريخ مصر، فيها الحسن وفيها الرديء.
المحمل:
إطار مربع من الخشب، هرمي القمة، له ستر من الديباج الأحمر، وعليه زخارف وكتابة مطرزة تطريزا فاخرا بالذهب على أرضية من الحرير الأخضر أو الأحمر، وله قماقم أربعة من الفضة المطلية بالذهب، وينتهي هذا الكساء بشراريب تعلوها كرات فضية يتفرع منها سلوك دقيقة. وللمحمل مصلحة حكومية لإعداد كل هذه المواد الخام وصنعها بالقاهرة يشرف عليها موظف كبير، والناس يتبركون عادة بالمحمل ويتمسحون بالكسوة، ويقبلون شراريبها، ومن استطاع ذلك كان له الفخر حتى: كأنه قبل يد النبي
صلى الله عليه وسلم ، والمحمل لا يحوي شيئا إلا مصحفين صغيرين داخل صندوقين من الفضة المذهبة معلقين في القمة، ويحمل المحمل على جمل ضخم، يتمتع أيضا بما يتمتع المحمل من تبرك له، وإعفائه من العمل بقية السنة ويسمى جمل المحامل، وقد قامت ضجة حول المحمل بسبب أن المملكة العربية السعودية وهابية، وهي لا تؤمن بالمحمل ولا بالأضرحة والقباب، وقامت أزمة شديدة من أجل ذلك بين السعوديين ومصر، وحل الأمر أخيرا بأن يحتفظ بشكل سفره، ولكن لا يدخل الحجاز على ما أظن.
وهو قديم في القاهرة من عهد شجرة الدر، ويحتفل به في بعض شوارع القاهرة، ثم يحتفل به في ميدان القلعة، ويحضر هذا الاحتفال من ينوب عن الملك والحكومة وأمير الحج وبعثته وبعض العلماء والكبراء، وقد اعتادوا في هذا الاحتفال أن يقبل الأمير مقود الجمل، ويحتفل به مرتين في العام: مرة عند طلوع الناس إلى الحج، ومرة عند عودتهم منه، وهو يثير في الجماهير عواطف قوية شديدة نحو الحج، وفي الاحتفال تضرب المدافع، وتغني أغاني الحجاج ... إلخ.