وكل أمة فيها محسوبية لدرجة ما، ولكن ليست محسوبية سافرة كأن يخطى الأول من الامتحان مثلا لأخذ من ترتيبه الخمسون، أو تفضيل غير الكفء على الكفء. واتصف المصريون بكثرة هذه المحسوبية حتى اعتقد الناس أنه ليس يعمل عمل إلا بها؛ فالورق يبقى عند الموظف نائما تتراكم عليه الأتربة أو منسيا في درج الموظف إلى أن تأتي محسوبية فيمر مر «البرق»؛ ولذا شاع بين المصريين: إذ أردت أن تقضي عملك فابحث عن كبير يرجو لك. وسبب ذلك أن الموظف المصري غالبا كان لا يتحرك لعمل إلا أن يكون له غرض شخصي من ورائه، ومن الرجاء فيه، أو بعبارة أخرى من لا محسوبية له أهمل شأنه سنين.
ويحتاج الأمر تعويدا قويا على أن المحسوبية لا فائدة منها، وأن العدل يجري مجراه، وسواء كان لصاحبه محسوبية أو ليس له. والاعتياد على هذا المنظر يقطع الرجاء، بدليل أن الناس لما ألفوا أن الامتحان في الابتدائية والبكالوريا لا رجاء فيه، فقد يرسب ابن الوزير عدلا، وينجح ابن الحاجب عدلا؛ امتنع رجاؤهم في هذا الباب. فمن لنا في أن تكون كل المصالح شأن الامتحان! ومن الغريب أن عدم المحسوبية بقدر ما يبطئ العمل أشهرا وسنين تعطيه المحسوبية سرعة البرق فيمر في لحظة.
أعرف مرة أن طلبت لي ترقية إلى الدرجة الثالثة فلم أوص أحدا، ثم مكثت ستة أشهر دون أن أسأل عليها، فلما قلقت وسألت عن الأوراق قيل لي: إن الدوسيه فقد، فحكيت الحكاية لكبير فأمر بإعداد دوسيه جديد، وفي ربع ساعة كان قد مر على الموظفين المختصين؛ لأن فلانا أمر، وفي ربع ساعة أخرى صدق عليه، ومن غريب الأمر في هذا الحادث أن كان لي صديق رقي معي في قرار واحد، وكانت ترقيته استثنائية، وترقيتي قانونية، فأما هو فكان محسوبا لوزير كبير بيده سلطة، فما تم القرار حتى أرسل إلى المالية فورا وصدق عليه في الحال، وخرج القرار فإذا مجلس الوزراء يوافق عليه في ساعة. وأما أنا الذي مطلبه قانوني فكانت قصته ما ذكرت.
وألعن ما في الأمر اعتياد الناس هذا واعتيادهم أن أمرا لا يتم إلا بالرجاء؛ ولذلك تجد حجرة الموظف الكبير تمتلئ كل يوم وتفرغ، ثم تمتلئ وتفرغ، حتى يعوقه ذلك عن عمله. ومن أسوأ ما في ذلك أن من يقبل الرجاء ويعين على الظلم، أحب إلى الناس ممن لا يقبله، بل إن أحب الناس إلى الناس هو رجل يركب سيارته صباحا فيمر على المصالح المختلفة لقضاء الحاجات المختلفة، وكلما نجح في ذلك كان أقرب إلى قلوب الناس، مع أن نجاحه قد يكون ظلما، وقد يكون على حساب آخرين مظلومين ليس لهم رجاء ... وهكذا. وكان لي صديق - رحمه الله - رئيس مصلحة كتب على بابها: «لا محسوبية ولا رجاء!» مع ذلك لم تنفع شيئا، فقد بقيت المحسوبية وبقي الرجاء، كما أن اللافتة المكتوب عليها «ممنوع البصق» لا تمنع البصق.
ولكثرة فشو هذه العادة في مصر قالوا: «يا بخت من كان النقيب خاله»، وقالوا: «ابن الوز عوام»، وقالوا: «اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه» وهكذا من كثير من الأمثال التي تدل على تغلغل هذه العادة في نفوسهم، وحتى سرت هذه العادة إلى الأولياء وأصحاب الأضرحة الأموات، فقالوا: «المحسوب منسوب ولو كان معيوب»، تملقا للمشايخ كأنهم أحياء يرزقون. وتقول لرجل: إني قدمت طلبا في وظيفة كذا، فيقال لك: ألك واسطة كبيرة؟ فإن قلت: لا، قال: لا! وبلغ من الجرأة أن تلصق على الطلب بطاقة من أوصى عليه أو انتسب إليه للنظر في ترجيح من أوصي عليه عند البت في الأمر. وكان من مساوئ نظام الحكم عندنا أن كل وزارة تأتي يكون لها لون من المحسوبين عليها، وفي نظير ذلك يكون لها خصوم، فإذا زالت وزارة اختفى المحسوبون عليها وظهر المحسوبون على الوزارة الجديدة، وهكذا دواليك. وفي كل هذا خسارة على الأمة، هذا عدا أن أناسا قويت عندهم حاسة الشم، فإذا أدركوا أن وزارة ذات لون خاص ستأتي أسرعوا فانتسبوا إليها وتظاهروا أنهم من رجالها. وقد كان هذا من مضار انقسام الأمة إلى أحزاب؛ فالحزبية لا تنجح مع شعب كهذا. وكثيرا ما نسمع في الأمم الأخرى عن استقالة وزير أو رئيس مصلحة؛ لأنه طلب منه أن يفعل شيئا لا يتفق مع العدالة، ولا يصلح هذه الحال إلا توالي وزارات مختلفة تلتزم العدل، وتفهم الناس أن المحسوبية لا تقدم ولا تؤخر، وتبرهن لهم على عدلها؛ لأن العدل وحده هو الحكم فيمن يصلح ومن لا يصلح، وتقيم البراهين على ذلك من نفسها بتنوير الناس أن رجلا خير من رجل لكفاية لا لواسطة، وأنه يتحرى المصلحة العامة لا الخاصة.