وهذه القصة ثلاثة أقسام: القسم الأول منها يصف تاريخ بني هلال في بلاد السرو (وهي منازل حمير بأرض اليمن)، وكان من أعيان الهلالية جابر وجبير ابنا المنذر الهلالي، وقد رحل جبير بأمه إلى نجد وصار فيما بعد سلطانها.
وكان أن أتى من نسل جابر الأمير حازم والأمير رزق وكانا يحكمان في بلاد السرو، وقد تزوج الأمير رزق «خضراء» بنت شريف مكة، وولدت منه ولدا أسمر اللون اسمه بركات، وهو الذي لقب فيما بعد بأبي زيد، وقد تعاون أبو زيد وابن عمه حسن بن سرحان بن حازم على فتح الهند في حديث يطول، أما القسم الثاني فتدور حوادثه حول رحلة بني هلال إلى نجد، وقد ألجأهم إلى هذه الرحلة من السرو إلى نجد مجاعة عظيمة في بلاد السرو باليمن.
وقد استقبل الهلاليون في نجد استقبالا حسنا من الملك غانم وابنه دياب (وكان دياب من فرع جبير) ومن بني زغبة وقد وقعت الحرب أخيرا بين دياب بن غانم وأبي زيد الهلالي لأسباب نسائية يطول شرحها، وانتهت بانتصار أبي زيد وخضوع دياب.
والقسم الثالث تدور حوادثه حول رحلة الهلالية إلى المغرب، فإن أبا زيد ذهب مع أتباعه إلى تونس ليبحث عن أرض خصبة لما حلت المجاعة بنجد، فلما حلوا بتونس واتصلوا بالبربر حدث أن وقعت «سعدة» بنت الزناتي خليفة وهي من البربر في حب «مرعي» أحد أصحاب أبي زيد، وقد وقعت حروب بين الهلالية والزناتية بسبب ذلك انتهت بقتل الزناتي خليفة، ثم اختلف الهلاليون فيما بينهم على قسمة أملاك الزناتي خليفة، وثارت الحروب بين أبي زيد ودياب وانتهت بقتل دياب لأبي زيد، فاجتمع قوم للأخذ بثأر أبي زيد منهم بريقع والجازية بنت الحسن وانتقموا من دياب وقتلوه، وقد قتلت الجازية أيضا في هذه المعارك.
هذا موجز مختصر جدا لقصة طويلة تقرأ في أيام نتبين منها أن حوادث القصة حدثت بين البدو من الأعراب وأن أرضها كانت بين بلاد العرب (من السرو في اليمن إلى نجد في الحجاز) وبين بلاد المغرب من تونس وما حولها، ولم تدخل مصر في هذه الحوادث إلا من ناحية أن الهلاليين أقام بعضهم فيها سنين ثم رحل أكثرهم إلى المغرب.
ولكن القصة كان لها شأن كبير في مصر، فقد أعجب بها الشعب المصري؛ لأنها مكتوبة بلغة شعبية، ولأن حوادثها بدوية ساذجة، ولأنها تشتمل على بطولة من نوع خيالي أشبه ببطولة الجن، ولأن فيها حبا لطيفا بسيطا تضحي في سبيله الأفراد والقبائل، لهذا كله كانت القصة محبوبة إلى الشعب المصري، فإلى القريب كان في كل حي رجل يطلقون عليه اسم (الشاعر) وكان في حارتنا بالمنشية رجل اسمه «أحمد الشاعر» كان يخرج بعد العشاء إلى القهوة من داره فتتخذ له منصة عالية يجلس عليها وحوله المستمعون، ويخرج القصة من منديل لفها به، ويأخذ فنجان القهوة، ويبدأ في قراءة قصة أبي زيد، والناس يصغون إلى الحوادث باهتمام وكثير منهم يدخن «التنباك» في الجوزة وصبي القهوة يجيء ويذهب للمستمعين؛ هذا بتعميرة وهذا بقهوة «سادة» وهذا بقهوة بسكر، والمستمعون يختلفون في ميولهم، فمنهم من يتعصب لأبي زيد ومنهم من يتعصب لدياب، وقد يقوم النزاع والسباب والضرب بين الفريقين فإذا جاءت ليلة سينتصر فيها أبو زيد عمل أنصاره «فرحا» في القهوة فزينوها واستعدوا لها، وإذا جاءت ليلة سينتصر فيها دياب فعل أنصاره كذلك، ولا يزال الشاعر يقرأ وهم يصغون إلى قرب الفجر ثم ينصرفون إلى بيوتهم وأنصار أبي زيد فرحون إذا انتصر، مهمومون إذا انكسر، وكذلك أنصار دياب.
فكانت هذه القصة تقوم مقام السينما والتمثيل في أيامنا هذه، وكان الشيخ أحمد الشاعر يلقي القصة إلقاء حسنا، يتحمس في مواقف الحماسة، ويترنم في القصائد.
وظلت هذه القصص تتداول في مصر قرونا طويلة، وقد قرأها ابن خلدون في القرن الثامن الهجري وأعجب بها وببلاغتها، ونقد الناس الذين لا يرون البلاغة إلا فيما كان جاريا على قواعد النحو والصرف فقال في الجزء السادس من تاريخه بعد أن وصف بلاغتها وجودة أشعارها «إلا أن الخاصة من أهل العلم يزهدون في روايتها ويستنكفون منها لما فيها من خلل في الإعراب، ويحسبون أن الإعراب هو أصل البلاغة وليس كذلك.»