يا دهر بع رتب المعالي مسرعا
بيع الهوان ربحت أم لم تربح
قدم وأخر من أردت من الهوى
مات الذي قد كنت منه تستحي
وشنق بعض الأمراء، وكانوا محبوبين فكثر عليهم الحزن والأسف، وقد خلت البلاد للسلطان سليم وتمكنت الدولة العثمانية من الديار المصرية فصارت مصر ولاية بعد أن كان سلطانهم أعظم السلاطين، وذلك أن السلطان سليم أناب عنه (خير بك)، وترك بمصر خمسة آلاف فارس وخمسمائة من رماة البنادق والرصاص، ولما خرج خرج معه ألف جمل محملة من الذهب والفضة، غير التحف والنحاس والصيني والخيول والبغال والإبل، وقد سلبت رجاله ووزراؤه من مصر وبلادهم ما لا يدخل تحت حصر.
ولحق مصر من الضرر الشامل مدة إقامة عساكره بها ما لا يوصف، وعمت البلية، وبطل منها خمسين صنعة، ولم يجلس في القلعة، ولا أنصف مظلوما من ظالم، بل كان مستغرقا في لذته وسكره مقيما في المقياس بين الصبيان المرد، وترك الحكم لوزرائه، ولم يكن يظهر إلا وقت سفك الدماء، وعساكره دنيئون قذرون يأكلون في الأسواق على ظهور الخيل، يتجاهرون بقلة الدين وشرب الخمر، وغالبهم لا يصلي ولا يصوم، وليس لهم أدب ولا ذمة، ومع ذلك فقد أسعده الحظ، واتسعت مملكته من الفرات إلى مصر، وأخذ معه ابن السلطان الغوري، وقد أرسل إلى القسطنطينية قبل خروجه كثيرا من علماء مصر وأشرافها وتجارها، وعددا من أهل كل حرفة، فتعطل بمصر كثير من المصالح، ومن خوف الناس من جنوده كان الأعيان يستأجرون بعض العثمانيين ليحفظوا بهم بيوتهم، وصار هؤلاء الجند العثمانيون إذا رأوا رجلا ماشيا في الطريق قالوا: إنه شركسي يريدون الفتك به، فيستشهد بالناس أنه ليس شركسيا، وإنما هو مصري، فيقولون له: اشتر نفسك من القتل بدفع شيء من المال، فيفعل ذلك؛ وصار كل من عادى عدوا من المصريين دس إليه عند العثمانيين، ونهبوا القماش والسلاح والخيل والبغال والجواري والعبيد من كل شيء جليل، ونهبوا الذهب والسروج الذهبية والبلور والعقيق والخلع المطرزة بالذهب، ثم تغالوا حتى أخذوا أموال الأوقاف، ولم يردعهم أحد؛ فغالوا في الضرائب، وأخروا صرف ماهيات الشراكسة نحو ثمانية أشهر ثم دفعوا لهم منها شهرين؛ وقتلوا الكلاب الكثيرة حتى قال قائلهم:
تأملوا ما جرى بمصر
من حادث عم بالعذاب
فما رعى الترك في دماء
فكيف يرعوا دم الكلاب
وقد نظم ابن إياس في ذلك قوله:
نوحوا على مصر لأمر قد جرى
من حادث عمت مصيبته الورى
زالت عساكرها من الأتراك في
غمض العيون كأنها سنة الكرى (يريد بالأتراك الشراكسة الذين أزال ملكهم العثمانيون).
وأتى إلينا عسكر سيماهم
حلق الذقون ولبس طرطوريرى
لا يعرف الأستاذ من غلمانه
وأميرهم بين الأنام تحقرا
جل الإله مصدقا عما حكى
في سورة الروم العظيمة أخبرا
ولاه رب العرش سلطانا على
مصر وهذا الأمر كان مقدرا
لهفي على الأبواب كيف تكسرت
وخلت أماكنها وصاحبها سرى
لهفي على نهب القماش وبيعه
وبأبخس الأثمان صارت تشترى
لهفي على فك الرخام ونقله
من كل بيت كان يبدو مزهرا
زالت محاسن مصر من أشياء قد
كانت بها تزهو على كل القرى
لهفي على الفرسان كيف تقطعت
أعناقها بيد العدو إذ افترى
صارت على الطرقات من أجسادهم
رمما حكت عيد الضحى الأكبرا
لهفي على ذاك الحريم وهتكه
من بعد صون في الحريم مخدرا
لهفي على عيش بمصر وقد خلت
أيامه كالحلم ولى مدبرا
يا رب إنا بالنبي المصطفى
والأنبياء وكل سادات الورى
نسألك كشفا للكروب بسرعة
واعف عن الإجرام عفوا واغفرا
قد جاء لابن إياس شعر قاله
لكن منه النظم يحكي جوهرا ... إلخ.
وقد توالى على مصر ولاة طغاة يعينون من قبل السلاطين العثمانيين، ونقرأ تاريخهم وأحداثهم في مصر فنرى مع الأسف سلسلة من المساوئ، وتقرأ تاريخ ابن إياس فيفزعنا ما يقول، وقد كان إسلام أكثرهم إسلاما ظاهريا، فالإسلام عندهم جلوس في أدب عند سماع القرآن، ووضع مصحف صغير في علبة ذهبية أو فضية من غير مراعاة لعدل ولا صرف، وأكثر ما ترى في تاريخهم سفك الدماء، وإسراف في المال والشهوات، وكثرة المصادرات، ويعتقدون أنهم يستطيعون أن يكفروا عن كل هذه السيئات ببناء مسجد أو سبيل، كالذي حكي أن أحدهم عمر مسجدا اغتصب أكثر مواده من حجارة ورخام وأخشاب من مساجد وبيوت أخرى، حتى أطلق عليه المصريون الفكهون «المسجد الحرام».