"الإسلام، وهو هذا الدين البيّن الصريح، ما كان ليقيّد عقل العربي ويلقي عليه سجوفًا فوق سجوف. والعربي كان قد أدرك حالاً ثار فيه جده واشتعلت غيرته، فبات توّاقًا إلى اقتباس العلوم واجتناء ثمراتها والتبسط في شؤون الحياة وتوفير أحوالها، والتكيف على حديث مقتضياتها، والخروج بها عما ألفه أزمانًا في فيافي الصحراء.. لهذا لما نشر العرب فتوحهم ومدوا سلطانهم على الأقطار الأجنبية لم يقصروا نفوسهم على التنعّم بالنعم المادية واستلذاذ الترف ورخاء العيش فحسب، بل عكفوا جادين على ترقية الفنون والعلوم والآداب وآراء الحضارات القديمة. فنشأ عن جميع هذا الجد والترقيات أن أخرج للناس تهذيب عربي سام. فأضاءت العقول وازدهرت ازدهارًا كان فخر الحضارة العربية ودرة تاجها. وكان ردح من الزمن كانت فيه الحضارة مشرقة الشموس، يانعة الثمار، وارفة الظلال. فسادت الحرية العقلية، وابتكرت الآراء والأفكار العلمية، ووضعت القواعد والأصول، واستنبطت الأحكام. بيد أن هذا لم يكن من صنع العرب وحدهم، بل شاركهم فيه كثير ممن كانوا متظللين ظل دولتهم من النصارى واليهود والفرس الذين كانوا في عهد ملوكهم قبل الفتح الإسلام يذوقون الأمرّين، ويسامون خسفًا شديدًا في سبيل آرائهم ومعتقداتهم الدينية التي كانوا يخالفون فيها النصرانية البيزنطية والمجوسية الفارسية.."(2).
[ 3 ]