"فيما كان بناء المساجد ينتشر شرقًا حتى بلغ الصين وغربًا حتى وصل إلى الأندلس كان نمط البناء يتأثر بعناصر محلية من غير أن تتبدل خطته الأساسية تبدلاً يذكر. وبما كان المسجد مكانًا للعبادة فإن بناءه عمومًا ظل على بساطة وجلال. ومع أنه استعار من أنماط البناء الأخرى فإنه ظل معبرًا عن الإسلام تعبيرًا عظيمًا. وأما في أثناء تطوره في التاريخ، من ناحية العمارة، فإنه كان صورة مصغرة لتطور الثقافة الإسلامية: تلك الثقافة التي كان المسجد تعبيرًا صحيحًا عنها – فيما يتعلق بالأمم المختلفة وبأعراق البشر المختلفة – إذ هو يمثل بصورة ملموسة ذلك التفاعل بين الإسلام وبين جيرانه. والمؤمن ذو الاتجاه الروحي، على كل حال، لا يقلقه ذلك التطور. أنه ما يكاد يدخل الصحن الذي ينكشف للسماء والذي تحيط به الأروقة حتى يجد في نفسه ميلاً شديدًا إلى الانعتاق من البيئة المادية التي حوله ثم نزوعًا، في الوقت نفسه، إلى السّموّ نحو الملأ الأعلى. وهذه المئذنة الطويلة الرشيقة فإنها أشبه بالإصبع التي تنتصب مشيرة إلى السماء وأما في جوف المسجد فإن القبة المتلألئة بالمصابيح تبدو وكأنها صورة منقولة عن قبة السماء. وكذلك المحراب المزخرف (بالأشكال والأغصان والمزين بالآيات الكريمة) فإنه يوجه القلب إلى مصدر الهدى والإيمان. والأعمدة التي تتوالى في صفوف لا تكاد العين أن ترى آخرها توحي بأنها لا تتناهى. وهؤلاء المصلون حولك (معًا أو فرادى، في كل مكان من المسجد) يولّدون في النفس شعورًا بمشاركة في أخوة تسع العالم كله"(4).
[ 6 ]